- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أبعاد زيارة الرئيس الصيني إلى مصر
لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة مجرد مناسبة للاحتفال بمرور سبعة عقود على العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، رغم أن الذكرى حضرت بقوة في المشهد السياسي والبروتوكولي. فالزيارة، وهي الأولى لشي إلى مصر منذ عشر سنوات، جاءت في لحظة مختلفة تماماً عن زيارته السابقة.
شرق أوسط يُعاد تشكيله تحت وطأة الحروب، وممرات الطاقة والتجارة تواجه اضطرابات متصاعدة، فيما ألقت الحرب الأمريكية-الإيرانية بظلالها الثقيلة على الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس، بالتوازي مع احتدام التنافس الأمريكي-الصيني على النفوذ والاقتصاد والتكنولوجيا، واضطراب أسواق الطاقة العالمية، وتصاعد التساؤلات حول مدى قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار كشريك أمني موثوق وطويل الأمد لدول المنطقة. (رويترز، 2026/09/01)
ومن هنا، فإن أهمية الزيارة تتجاوز الشأن المصري-الصيني إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل طرق التجارة والطاقة والنفوذ في النظام الدولي. فمصر تقع عند تقاطع الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر المتوسط، وتتحكم في قناة السويس التي تمثل أحد أهم الممرات التي تربط آسيا بأوروبا. ولذلك تبدو القاهرة، في الحسابات الصينية، أكثر من سوق أو شريك اقتصادي. إنها عقدة جغرافية يمكن أن تلتقي عندها المصالح التجارية والصناعية واللوجستية والسياسية.
وقد حملت القمة دلالة واضحة على هذا الاتجاه من خلال توقيع خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم رئيسية، إلى جانب أكثر من عشرين وثيقة تعاون إضافية. وشملت الاتفاقيات مذكرة لربط أولويات "رؤية مصر 2030" بمبادرة "الحزام والطريق"، واتفاقية للتعاون الاقتصادي والفني والتنموي، ومذكرة لتعزيز التعاون في سلاسل الصناعة والإمداد، وأخرى للتعاون التكنولوجي والتحول الرقمي، فضلاً عن مذكرة لتعزيز الاستثمارات في محور قناة السويس.
واللافت هنا أن هذه الاتفاقيات لا تتحرك في مسارات منفصلة، وإنما ترسم منظومة متكاملة تمتد من التصنيع وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا إلى النقل واللوجستيات والتمويل. وهذا يعني أن الصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها وجهة للاستثمار فحسب، وإنما كجزء من شبكة اقتصادية أوسع يمكن أن تربط الإنتاج الآسيوي بالأسواق الأفريقية والأوروبية.
وتزداد أهمية هذا البعد مع اضطراب الممرات البحرية. فقد فقدت قناة السويس أكثر من 60 في المائة من إيراداتها بسبب التداعيات الأوسع للحرب على غزة والحرب الأمريكية-الإيرانية، بينما تعرضت إمدادات الطاقة الصينية من الخليج للخطر نتيجة إغلاق مضيق هرمز، واضطرت الصين إلى إعادة توجيه بعض صادراتها بسبب اضطرابات الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس.
ومن هنا تكتسب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أهمية تتجاوز الاقتصاد المصري. فوجود قاعدة صناعية ولوجستية صينية عند أحد أهم الممرات البحرية العالمية يمنح بكين قدرة أكبر على ربط التصنيع والتخزين والنقل وإعادة التصدير، ويمنحها في الوقت نفسه هامشاً أوسع للمناورة أمام اضطراب الممرات التي تمر عبرها التجارة والطاقة العالمية.
ولا تقف المسألة عند الجغرافيا والموانئ، لأن التعاون المالي يسير في الاتجاه نفسه. فقد رفعت القاهرة وبكين قيمة اتفاقية مبادلة العملات إلى 30 مليار يوان، مع تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار. وفي ظل تصاعد العقوبات وتسييس النظام المالي الدولي، تعكس هذه الخطوات محاولة تدريجية لتوسيع البدائل أمام التجارة الدولية وتقليل الاعتماد على الدولار، من دون أن يعني ذلك أن اليوان أصبح بديلاً للنظام المالي القائم.
لكن الزيارة حملت بعداً يتجاوز الاقتصاد. فقد جاءت بعد أيام قليلة من ثاني تدريب جوي مشترك بين البلدين، بمشاركة مقاتلات صينية ومقاتلات مصرية غربية الصنع، في مؤشر على اتساع التعاون العسكري. كما طرح شي فكرة لافتة للانتباه، تتمثل في إنشاء إطار أمني إقليمي جديد للشرق الأوسط يقوم على رفض التدخل الخارجي، في رسالة تعكس رغبة بكين في توسيع حضورها من المجال الاقتصادي إلى المجال السياسي والأمني.
وهنا تبرز الحرب على إيران باعتبارها خلفية أساسية لفهم توقيت الزيارة. فالصين، التي تعتمد على الخليج في جزء مهم من احتياجاتها النفطية، معنية مباشرة بأمن هرمز، بينما تعتمد مصر على سلامة قناة السويس واستقرار البحر الأحمر. وفي الحالتين، تتحول الحرب من أزمة إقليمية إلى تهديد مباشر لسلاسل الإمداد والطاقة والتجارة. لذلك فإن استقرار الشرق الأوسط لم يعد بالنسبة إلى بكين والقاهرة مجرد هدف دبلوماسي، بل أصبح مصلحة اقتصادية وأمنية مشتركة.
وتتقاطع هذه القراءة مع تحليل عمرو حمزاوي في معهد كارنيغي، الذي يرى أن اضطرابات الشرق الأوسط كانت الدافع الحقيقي لتعميق الشراكة الصينية-المصرية، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن لا القاهرة ولا بكين تبحثان عن علاقة حصرية. فالصين تعمل على بناء شراكات مع إيران وتركيا ودول الخليج وتحافظ على علاقات مستقرة مع كيان يهود، بينما لا تتجه مصر إلى التخلي عن شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. (كارنيغي، 2026/09/03)
وهذه ربما هي النقطة الأهم في قراءة الزيارة. فالقاهرة لا تستبدل بكين بواشنطن، وبكين بدورها لا تبحث عن حليف واحد في الشرق الأوسط، بل عن شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
لقد كشفت زيارة شي إلى القاهرة أن أهمية مصر بالنسبة إلى الصين لا تكمن فقط في حجم السوق أو الاستثمارات، وإنما في موقعها داخل شبكة عالمية آخذة في إعادة التشكل. وإذا كان هرمز والبحر الأحمر قد تحولا إلى نقطتي اختناق استراتيجيتين بفعل الحرب، فإن قناة السويس تزداد أهمية بوصفها إحدى العقد التي ستحدد، إلى جانب الموانئ والطاقة والتمويل، شكل التجارة العالمية في المرحلة المقبلة.
وعليه، فإن الخلاصة ليست أن الصين جاءت لتحل محل الولايات المتحدة في مصر، ولا أن القاهرة قررت الانحياز إلى بكين. الأهم أن العالم يتحرك نحو تعدد أكبر في مراكز القوة والشراكات، في ظل حالة الإجهاد الاستراتيجي التي تعيشها أمريكا. وعليه، لم يعد الصراع يدور فقط حول الأرض والتحالفات العسكرية، وإنما حول من يملك الممرات، ومن يؤمّن سلاسل الإمداد، ومن يسيطر على التكنولوجيا والتمويل، ومن يستطيع أن يبني لنفسه هامشاً من الاستقلال في عالم تزداد فيه أدوات الضغط الاقتصادي والجيوسياسي.
إن مصر الكنانة، لا تقف على هامش التحولات العالمية، بل تقع في واحدة من أهم عقدها، وإن خلاصها لا يكون بالارتماء في أحضان قادة الغرب أو الشرق، بل بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تعيد للأمة سيادتها الحقيقية وسلطانها على ممراتها وثرواتها وقراراتها، فتوحد الجيوش ومن ورائها الشعوب تحت راية واحدة لتحرير أرض الإسلام كاملة، وتزيل كيان يهود. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس وسام الأطرش



