- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الاستيلاء على الأرض لا يكتمل في نظر المحتل ما دام أصحابها باقين عليها
الخبر:
نتنياهو: نسيطر على 60% من غزة.. وكاتس يعلن خططا لإخراج الفلسطينيين من القطاع (الجزيرة نت)
التعليق:
ما يحدث اليوم هو إعلان صريح عن طبيعة المشروع الذي يراد لغزة. فحين يتحدث الاحتلال عن السيطرة على مزيد من أرض القطاع ثم يتحدث في الوقت نفسه عن خطط لإخراج أهله منه، فعلينا أن نفهم أن المسألة هي خطة استراتيجية للسيطرة على الأرض.
أفبعد كل هذا الدم والدمار ما زال يطلب من الفلسطيني أن يرحل من أرضه ويتركها لمن اغتصبها؟ وكأن المشكلة ليست الاحتلال ولا الحصار ولا القتل ولا تدمير البيوت والمستشفيات، بل المشكلة في وجود أصحاب الأرض أنفسهم!
عندما يجبر الإنسان على مغادرة بيته تحت القصف والجوع والخوف وأن يدمر كل ما يملك ثم يقال له: ابحث عن مستقبل آخر في مكان آخر، وأن يغلق أمامه الأفق حتى تصبح مغادرته هي السبيل الوحيد للبقاء، ثم يقال إنه اختار الرحيل، فهذا طمس للحقيقة.
إن من حمل مفتاح بيته سنة 1948 إلى من ولد في المنفى اليوم يسمع هذه الكلمات بذاكرة ممتدة إلى الوراء؛ ذاكرة البيوت التي أغلقت أبوابها على أمل العودة، والقرى التي خرج أهلها منها وهم يظنون أن الغياب لن يطول، والمفاتيح التي حملها أصحاب البيوت معهم، لأن أحدا لم يكن يتخيل أن رحلة اللجوء ستتحول إلى عمر كامل في المنفى.في نكبة عام 1948، هُجّر أو اضطر إلى مغادرة بيته أكثر من 700 ألف فلسطيني. وتشير تقديرات موثقة إلى نحو 726 ألفا بينما كانت الأونروا تتعامل عند بداية عملها مع احتياجات نحو 750 ألف لاجئ فلسطيني، ولم تتوقف القصة عند عام 1948. ففي عام 1967 شهد أهل فلسطين موجة تهجير جديدة، إذ تشير تقديرات إلى أن نحو 300 ألف فلسطيني اضطروا إلى مغادرة منازلهم في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مناطق أخرى أو خارج الحدود.
والأكثر قسوة أن نحو 120 ألفاً من هؤلاء كانوا أصلا من الفلسطينيين الذين هجروا سنة 1948. ومنذ ذلك الحين لم يتوقف الاحتلال عن موجات التهجير، فبعد عام 1967 استمرت أشكال أخرى من الإزاحة والنزوح، من هدم المنازل والإخلاء ومصادرة الأراضي وسحب الإقامات والاستيطان وغيرها من السياسات التي دفعت فلسطينيين إلى فقدان بيوتهم أو أراضيهم أو أماكن استقرارهم. ولهذا عندما يسمع الفلسطيني اليوم من يقول له: اخرج من غزة، فهو يسمع صدى تاريخ كامل ويسمع صوت الجد الذي قال يوما: سنعود قريبا ولم يعد!
إن غزة مكان لجأ إليه كثير ممن اقتلعوا من بيوتهم الأولى. والآن يطلب منهم مرة أخرى أن يرحلوا. إلى أين؟ وإلى متى؟
فلسطين ليست قطعة أرض يتنافس عليها طرفان، وغزتها ليست عقاراً يفرغ أهله منه ليعاد استثماره، وليست أرضا يمكن الحديث عن مستقبلها الاقتصادي والسياحي قبل الحديث عن أصحابها الذين يعيشون عليها ويدفنون أبناءهم فيها ويتمسكون بها رغم كل ما يفرض عليهم من موت ودمار. والمشكلة ليست في وجود الفلسطيني في غزة وإنما في وجود الاحتلال الذي يريد أن يقرر للفلسطيني أين يعيش وكيف يعيش ومتى يبقى ومتى يرحل؟!
إذاً القضية لم تكن يوما وقف إطلاق نار ولا إعادة إعمار ولا تحسين الظروف الإنسانية، كما تم الإعلان عنها، وإنما قضية استيلاء على أرض وتهجير سكانها وكأن من دمرها هو من يقرر مستقبلها وليس من عاش عليها وصمد ورفض مغادرتها!
والأعجب أن الجميع يركز على السؤال: إلى أين سيذهب الفلسطينيون؟ بدلا من السؤال الحقيقي وهو لماذا يجب أن يذهبوا أصلا؟
لماذا لا يطلب من المعتدي أن يتوقف عن الاعتداء بدل أن يطلب من الضحية أن تبحث عن مكان آخر؟ لماذا يصبح بقاء الفلسطيني في أرضه مشكلة بينما لا ينظر إلى الاحتلال باعتباره أصل المشكلة؟ ولماذا يطلب من البلاد الإسلامية أن تبحث عن أماكن لاستيعاب شعب كامل بدل أن تبحث عن الوسائل التي تحمي هذا الشعب من الاقتلاع؟
غزة اليوم ليست بحاجة إلى أن تفرغ من أهلها، بل إلى أن يرفع عنها العدوان. وليست بحاجة إلى مخيمات جديدة ولا إلى بلدان جديدة، إنها بحاجة إلى أمة تستعيد قدرتها على حماية أرضها وأهلها وتحفظ عرضها وتقتلع المحتل من جذوره، وما دون ذلك ليس إلا حلولا على ورق.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
منال أم عبيدة



