الأربعاء، 30 محرّم 1448هـ| 2026/07/15م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-07-15

 

جريدة الراية: حروب الجيل الرابع

والتآكل البطيء للدولة السودانية

 

 

عندما يعجز المنطق وتغيب الحجة، وعندما يعجز الإنسان عن أخذ حقه أو يحافظ عليه، يلجأ لاستخدام القوة. هكذا تنشأ الحروب بين البشر أفراداً وجماعات ودولا، وتتغير وسائلها وأدواتها بشكل كبير.

 

وقد عرّف القانون الدولي العام الحرب على أنها نزاع مسلح بين فريقين أو أكثر، بين دولتين مختلفتين، وخلالها تدافع كل دولة عن مصالحها وأهدافها وحقوقها، فكانت الحروب جزءاً من تاريخ الأمم والشعوب، ومع تطور الوسائل والأساليب، والتطور التكنولوجي، اختلفت أنماط وأشكال الحروب، وظهرت مصطلحات جديدة في تعريف الحروب، أبرزها اعتماد مصطلح الأجيال للتمييز بين أدوات الحروب، وإدارتها ومجالاتها وأنواعها، حيث يشير كل جيل إلى فترة زمنية معينة ساد فيها نمط معين للحرب، بوسائل وأساليب محددة، وقد ظهر مصطلح حروب الجيل الأول، وسميت أيضا بالحروب النابليونية، التي بدأت عام 1648م، وهو العام الذي وُقعت فيه معاهدة ويستفاليا.

 

أما حروب الجيل الثاني، فبرزت عقب الثورة الصناعية، التي أضافت خيارات متنوعة من القوة النارية عبر تقنيات البخار والإنتاج الضخم، وتطور تصميم الأسلحة والمدافع، وتعتمد على استنزاف العدو حتى ينهار، مثالها الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الأمريكية. أما حروب الجيل الثالث فهي لا تختلف كثيراً عن السابقتين، بل كانت أكثر وحشية، تحطم كل شيء، ومثالها الحرب العالمية الثانية.

 

أما أخطر الحروب وأقذرها، فهي ما عرفت بحروب الجيل الرابع: وهي تشير إلى نمط جديد من الحروب تهدف إلى إضعاف الخصم عبر وسائل غير تقليدية، أي من غير حرب مباشرة، بل عبر الإعلام، والحرب النفسية، والشائعات، والدعاية، والتأثير السياسي، وإيجاد جماعات مسلحة غير نظامية، والانقسامات المجتمعية. وقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة عام 1989 في مقال نشرته جريدة مشاة البحرية الأمريكية، بعنوان: "الوجه المتغير للحرب في الجيل الرابع - ويليام إس ليند"، وفي عام 2006 وسع العقيد المتقاعد الفكرة في كتابه "القاذفة والحجر" بحسب موقع واي باك ميشن، حيث وصف حروب الجيل الرابع بأنها معقدة وطويلة، وتعتمد على إرهاب الناس، ولا مركزية، حيث تنتقل من مكان لآخر، ومتعددة الجنسيات، وتقام فيها أعمال إبادة جماعية، وانتهاك لحرمات الناس في حرب عصابات، وتشير كذلك إلى فقدان الدولة القطرية القومية لاحتكارها شبه الكامل للقوات المقاتلة والعودة إلى العصر ما قبل الحديث، وهي تستهدف تدمير الدول من الداخل، عبر إسقاط مؤسساتها، ونشر الفوضى.

 

وقد كانت الحرب في السودان، وهي تدخل عامها الرابع نموذجاً وتطبيقاً عملياً لما جاء في المحاضرة التي ألقاها د. ماكس مانورنج، خبير الاستراتيجية العسكرية في معهد الدراسات الاستراتيجية التابع لكلية الحرب الأمريكية، في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2018م، والتي دعي لها كبار الضباط في حلف الناتو، وجيش يهود، حيث قال: إن أسلوب الحروب التقليدية صار قديماً، والجديد هو الجيل الرابع من الحرب، وعرفها: (الحرب بالإكراه لإفشال الدولة العدو وزعزعة استقرارها ثم فرض واقع جديد يراعي ويحقق مصالحنا)، وقال: الهدف هو الإنهاك والتآكل البطيء، لكن بثبات، يبدأ بزعزعة الاستقرار، عبر أشخاص سماهم لاحقاً محاربين محليين شرسين وشريرين، من أبناء البلد (مليشيا الدعم السريع في السودان مثالاً)، عبر ضرب البنى التحتية، من كهرباء ومياه ومستشفيات ومؤسسات التعليم، ببطء وبهدوء، حتى يستيقظ عدوك ميتاً.

 

وقد سئل لماذا الإنهاك والتآكل البطيء بدل إسقاط الدولة مرة واحدة؟ فقال: إذا أسقطنا الدولة مرة واحدة فستبقى بنيتها ومقومات تعافيها موجودة، معنى التآكل البطيء، إيجاد دولة فاشلة، عبر خراب متدرج للمدن، وتحويل الناس إلى قطعان هائمة، وطوابير من النازحين، لشل قدرة الدولة على تلبية الحاجات الأساسية، بل وتحويل هذا النقص في الحاجات إلى وجه آخر من وجوه الحرب؛ ومعسكرات نازحين لإيجاد ثقافة جديدة، كذلك، هذا النقص يولد رأيا عاما ضد الحكومة، كما أن النقص في تلبية الحاجات الأساسية، أو انعدامها يؤدي إلى نزوح الناس وهجرتهم من المدن والقرى، وذلك عبر آلية نقل الحرب من منطقة إلى أخرى، فيطفئونها في مدينة ليشعلوها في أخرى، لاستنزاف قدرات الدولة.

 

ويقول: في مثل هذه الحروب تشاهدون أطفالاً قتلى، أو كبار السن وطوابير من النازحين والمشردين، يجب أن لا تنزعجوا. علينا المضي مباشرة نحو الهدف. ثم ختم قائلاً: علينا إدارة الأزمة وليس حلها.

 

إن من يتابع حرب السودان يجد أنها مثال حي لما سمي بحروب الجيل الرابع بكل وسائلها، وأدواتها، فكانت الحرب الإعلامية في الوسائط أشد ضراوة من الحرب في أرض الواقع، وأما ما تسمى بمنظمات المجتمع المدني فإنها تلعب دوراً مهماً في هذه الحرب تحت مسمى دعم المرأة، والشباب، بالتدريب والتمويل، ويتم من خلال ذلك إعداد العملاء داخل الدولة لتنفيذ الأجندات الخارجية. وكثير من الوزراء والحكام كانوا من مخرجات هذه الدورات وتلك المنظمات.

 

والنتيجة قتل أكثر من 160,000، وعشرات الآلاف من الجرحى والمصابين، ودمرت المؤسسات التعليمية، وحولت إلى ثكنات عسكرية أو مراكز إيواء، وأصبح ملايين الطلاب خارج التعليم، كذلك أكثر من 40% من مؤسسات الصحة خارج الخدمة، وحتى البنى التحتية من الكهرباء والمياه والجسور والطرق شملها دمار كبير، وبلغت نسبة الدمار في قطاع الكهرباء 60%، وضربت الجسور الرئيسية في الخرطوم، بالإضافة إلى النزوح واللجوء والفقر. هذه هي الحرب العبثية التي أشعلتها أمريكا التي ظلت من أول يوم تصفها بأنها ستكون طويلة، وسوف لن تحسم عسكرياً.

 

ومن هنا نقول إن هذا الأسلوب القذر في الحروب، والذي اعتمدته أمريكا في البلاد الإسلامية يوجب علينا الوعي عليه، والاهتمام بممسكات المجتمع حسب أحكام الشرع، حتى نقطع الطريق على مؤامرات الغرب الكافر وكيده، وهي كالآتي:

 

1- تحريم المليشيات العسكرية وتجريمها، ورفض المطالب عبر العمل المسلح.

2- تحريم الخطاب العنصري، وتجريم الاصطفاف القبلي، والقضاء على كل ما يشعر بالتمييز العنصري من عصبية قبلية أو جهوية.

3- تحريم تعاطي المخدرات وتجريم الاتجار فيها باعتبارها أداة لاغتيال الشباب، وضرب القيم العليا في المجتمع.

4- تجريم وتحريم دخول المنظمات الأجنبية الكافرة، وعلى رأسها المنظمات النسوية والجندرة وكذلك منظمات الإغاثة.

5- تجريم وتحريم أي علاقة للأحزاب والأفراد بالسفارات الغربية، واعتبار كل من يتردد عليها من أهل الريب.

6- عدم السماح للقوى الغربية بالتدخل في قضايانا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِيناً﴾.

7- العمل الجاد مع حزب التحرير، لإقامة الخلافة الراشدة الثانية باعتبارها حامية حمى المسلمين، وأنها الطريقة الشرعية للحكم بالإسلام.

 

بقلم: الأستاذ ناصر رضا

 رئيس لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع