الأربعاء، 08 صَفر 1448هـ| 2026/07/22م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

زيارة جيفري ساكس إلى أوزبيكستان

بين العلم ورأس المال والتنافس الجيوسياسي الجديد

 

في السياسة العالمية، لا يكون السلاح أحياناً هو القوة الأكبر، بل المعلومات. لم تعد الدول تفرض تأثيرها عبر الجيوش والدبلوماسية فحسب، بل وأيضاً من خلال المراكز العلمية، والتصنيفات، والمؤشرات، وشبكات الخبراء. ومن هذا المنطلق، فإن زيارة الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس إلى أوزبيكستان لم تكن مجرد لقاء علمي عابر، بل هي إحدى الأحداث التي تُظهر الأهمية الجيواقتصادية المتزايدة لآسيا الوسطى.

 

جيفري ساكس هو اقتصادي يبرز في الأوساط الأكاديمية الغربية؛ فهو أستاذ في جامعة كولومبيا، ومستشار للأمم المتحدة لشؤون التنمية المستدامة، ورئيس شبكة حلول التنمية المستدامة (SDSN).

 

وقد أُعلن أن الهدف الرئيسي للزيارة هو تشكيل شبكة (SDSN Uzbekistan) ورغم تقديم ذلك في البيانات الرسمية كتعاون علمي، إلا أنه كأي مبادرة دولية، يجب تقييمه من منظور جيوسياسي أيضاً.

 

لماذا أوزبيكستان بالذات؟

 

إن الحرب الروسية الأوكرانية، والتغيرات في سلاسل التوريد العالمية، ومشروع الحزام والطريق الصيني، وحاجة أوروبا إلى طرق نقل جديدة، فضلاً عن مساعي أمريكا والدول الغربية لتعزيز نفوذها في آسيا الوسطى، كلها عوامل تزيد من الأهمية الاستراتيجية للمنطقة.

 

● أولا: تعد أوزبيكستان الدولة الكبرى من حيث عدد السكان في آسيا الوسطى، حيث يقترب عدد سكانها من أربعين مليون نسمة، وتوفر فرصاً سوقية ضخمة تثير اهتماماً جاداً لدى رأس المال الدولي.

 

● ثانيا: تشترك في الحدود مع جميع دول المنطقة تقريباً.

 

  • ● ثالثا: تتمتع طشقند بتأثير كبير في المنطقة باعتبارها مركزاً سياسياً واقتصادياً وعلمياً.

وقد وصف ساكس أوزبيكستان في محاضرته بأنها دولة تقترب من مركز الثقل الاقتصادي العالمي. ورغم أن هذا الرأي قيل بمعنى رمزي، إلا أن خلفه إشارة جيواقتصادية مهمة هي أن دور آسيا الوسطى يزداد في القرن الحادي والعشرين، ولن تبقى بمعزل عن هذه العملية.

 

هل شبكة (SDSN) علم مجرد أم أداة تأثير؟

 

تعد هذه الشبكة من الناحية الرسمية شبكة علمية، حيث تساعد الدول في صياغة توصيات بشأن التنمية الاقتصادية، والبيئة، والتعليم، والطاقة، وغيرها من المجالات. وقبل أن يضخ المستثمرون الغربيون رؤوس أموالهم، فإنهم يقيّمون الاستقرار السياسي للدولة، وإمكانياتها الاقتصادية، ومواردها الطبيعية، وإصلاحاتها. ومن ينتج المعلومات، فإنه يؤثر إلى حد ما على القرارات.

 

لذلك، من الطبيعي أن تكون شبكات مثل (SDSN) مهمة ليس فقط للعلماء، بل أيضاً للدول، والمؤسسات المالية الدولية، والقطاع الخاص.

 

الرؤية الاقتصادية الغربية ومصلحة أوزبيكستان

 

ثمة جانب مهم آخر هنا؛ فجيفري ساكس عالم نشأ في المدرسة الاقتصادية الرأسمالية الغربية، وتحتل السوق والاستثمار والتكامل العالمي وحركة رأس المال الدولية مكانة بارزة في توجهاته. ولهذا التوجه جوانب إيجابية مثل جلب الاستثمارات والتكنولوجيا والمعرفة وخلق فرص العمل، ويبدو أن أوزبيكستان تسارع إلى التعاون من أجل هذا الجانب تحديداً.

 

لكن التاريخ والواقع يظهران أن أي رأس مال خارجي يضع مصلحته في المقام الأول دون شك. وحتى في عهد الاستعمار، كانت شعارات "التجارة والتقدم والحضارة" تخفي وراءها غالباً مصالح اقتصادية كبرى لهم.

 

بناءً على ذلك، فإن السؤال الأساسي بالنسبة لأوزبيكستان ليس وجود التعاون الخارجي من عدمه، بل السؤال الجوهري هو: لِمصلحة مَن يخدم هذا التعاون أكثر؟

 

  • ما هي المخاطر التي يجب على أوزبيكستان الحذر منها؟

  • ● الخطر الأول: تغليب المصالح الخارجية في الموارد الطبيعية والقطاعات الاستراتيجية، أي انتقال الجزء الأكبر من الموارد إلى أيدي المستثمرين.

  •  

    ● الخطر الثاني: تكيّف اقتصاد البلاد مع احتياجات رأس المال الخارجي فقط. ومثال ذلك: الاعتماد المفرط على الديون والتمويل الخارجي. تكمن خطورة هذا النموذج في أنه إذا كان النمو الاقتصادي يتوسع أسرع من نمو دخل السكان وكان ذلك على حساب الديون، فإن عبء الديون قد يزداد في المستقبل. ويجدر الذكر أنه وفقاً لتقرير البنك المركزي، فإن عبء ديون السكان الذين حصلوا على قروض (نسبة سداد القرض إلى الدخل) بلغ في المتوسط حوالي 37%.

  •  

    ● الخطر الثالث: أن يقوم الآخرون بتشكيل التصور العام عن البلاد من خلال التصنيفات والمؤشرات. فالشحنة الكبرى من الثروة هي المعلومات والمعرفة والقدرة على اتخاذ القرار المستقل.

إذا لم تمتلك الدولة استراتيجيتها الوطنية الخاصة، ومدرستها العلمية، ومراكز تحليلها المستقلة، فمن المؤكد أن التقييمات التي يصيغها الآخرون ستؤثر على قراراتها المستقبلية. ففي العالم المعاصر، ليست المؤشرات والتصنيفات مجرد إحصاءات عادية، بل أصبحت أدوات تؤثر على حركة رأس المال. ولذلك، من المهم لأوزبيكستان ألا تكتفي بالسعي لاحتلال مراتب متقدمة في التصنيفات، بل أن تعمل أيضاً على تطوير نظم تقييم مستقلة تتوافق مع مصالحها.

 

الخلاصة:

 

إن زيارة جيفري ساكس إلى أوزبيكستان ليست مجرد جولة لعالم، بل هي مؤشر على تزايد أهمية آسيا الوسطى في النظام الاقتصادي العالمي.

 

ويمكن لأوزبيكستان الاستفادة من هذه العملية بشكل فعال؛ فالتعاون الدولي القائم على العلم والتكنولوجيا والاستثمار والمنفعة المتبادلة يمكن أن يفتح آفاقاً للتنمية في البلاد.

 

ولكن مع الفرص تأتي المسؤولية أيضاً. فكل مستثمر غربي لا يريد رخاء الشعب الأوزبيكي، بل يريد زيادة ثروته الخاصة. لأن الدول عبر التاريخ لم تقع تحت التأثير بالسلاح فحسب، بل ومن خلال التبعية الاقتصادية أيضاً. وفي هذا السياق، يجدر التذكير بأن إجمالي دين أوزبيكستان في نهاية عام 2025 بلغ حوالي 46.85 مليار دولار...

 

إن الفرق بين النموذج الاقتصادي الغربي ومعيار العدالة الإسلامية كالفرق بين الأرض والسماء. فالرأسمالية طوال تاريخها لم تطور أي دولة أجنبية، بل جعلتها تابعة لها اقتصادياً وسياسياً.

 

أما في الرؤية الاقتصادية الإسلامية، فالمسألة لا تكمن في زيادة الثروة فحسب، بل ترتبط أساساً بكيفية كسب هذه الثروة وطريقة توزيعها في المجتمع. فالمال في الإسلام ليس ملكاً مطلقاً للإنسان يتصرف فيه بهواه، بل هو أمانة استخلفه الله فيها؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.

 

وبناءً على هذا الاعتبار، لا يُقاس التقدم الاقتصادي بغنى فئة معينة فحسب، بل بتحقيق العدالة والرخاء في المجتمع ككل. كما أنه وفقاً للمعيار الإسلامي، تُعد حلّية رأس المال، وعدم إلحاق الضرر بأحد، وخدمة مصلحة المجتمع من الأمور الجوهرية.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إسلام أبو خليل – أوزبيكستان

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع