الثلاثاء، 09 ذو الحجة 1447هـ| 2026/05/26م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

انكسار الهيبة: قراءة استراتيجية في تردد أمريكا وحسابات القوة مع إيران

 

 

لماذا تقف أمريكا موقف الحائر حيال مهاجمة إيران؟ وهل هذا التردد مقصود ومدروس، أم أنه دليل على العجز؟ وما هي الموانع الحقيقية التي تقف في وجهها وتمنعها من توجيه ضربة عسكرية لإيران وفتح مضيق هرمز بالقوة، رغم امتلاكها قدرات عظمى؟ وما أثر هذا التردد على الساحة الدولية؟

 

أسئلة كثيرة تنتاب أي محلل سياسي أو خبير استراتيجي حيال هذه القضية المعقدة. وحتى نجلي الغموض عنها، لا بد من الغوص في تفاصيلها، وفي خلفيات جولات الصراع والاتفاقات مع إيران.

 

قامت السياسة الأمريكية تجاه إيران على مبررات معلنة وثابتة؛ وهي تجريدها من برنامجها النووي وأسلحتها الصاروخية، ورفع يدها عن أذرعها وحلفائها في المنطقة (لبنان واليمن وغزة والعراق).

 

ورغم علم العالم ومنظماته الدولية المختصة - والتي أكدت مراراً وتكراراً - عدم امتلاك إيران لأسلحة نووية، بل وعدم اقترابها من ذلك وحاجتها إلى زمن أطول للوصول إلى تلك المرحلة؛ فقد وُقّع الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران والدول الكبرى. وبموجب ذلك الاتفاق، وُضعت المنشآت الإيرانية تحت مراقبة صارمة، ولم تُخلّ إيران ببند واحد من بنوده، وهو ما صرّح به رئيس المفتشين الدوليين للطاقة الذرية آنذاك، مؤكداً التزامها التام وأن كاميرات المراقبة كانت تعمل على مدار الساعة لترصد وتسجل كل حركة داخل المنشآت.

 

عقب ذلك الاتفاق، سارعت الشركات والدول الأوروبية إلى الدخول في عقود استثمارية بعشرات المليارات من الدولارات شملت كافة القطاعات الإيرانية، وشهدت هذه الدول بالتزام إيران التام بالاتفاق. والحقيقة التي أغاظت أمريكا بعد توقيع الاتفاق أن الشركات الأوروبية والروسية والصينية كانت الأسرع وصولاً واستحواذاً على السوق الإيرانية الضخمة، التي كانت تفتقر لكل شيء في البنى التحتية وتحديث المنظومة الصناعية، بينما تأخرت الشركات الأمريكية في الدخول، فخسرت أمريكا نتيجة عقوباتها الصارمة السابقة، بينما ربح الآخرون.

 

خلال فترة الانفراج المالي، استثمرت إيران الفائض المالي المجني من مبيعات النفط وعوائد الاستثمارات المتدفقة في إنشاء شبكة عملاقة من الأنفاق والبنى التحتية العسكرية المحصنة تحت الجبال، بعيداً عن أعين الرقابة الأمريكية. جاء ذلك لعلم إيران أن هذه الاتفاقية لن تصمد طويلاً، فكانت فرصة ذهبية لبناء قاعدة صناعية عسكرية وإنشاء أذرع قوية لحماية مصالحها، وكل ذلك تم على حساب رفاهية الشعب الإيراني الذي حُرم من عوائد ثرواته استعداداً لمواجهة حتمية مع أمريكا وحلفائها في المنطقة.

 

ومع وصول ترامب إلى السلطة - والذي هدد في حملته الانتخابية بإلغاء الاتفاق النووي والانسحاب من كثير من الاتفاقات والمنظمات الدولية لتقليل النفقات - أقدم بالفعل على إلغاء الاتفاق وفرض عقوبات قصوى وصارمة لإجبار إيران على الاستسلام بشروطه المتمثلة في تفكيك برنامجها النووي والتخصيبي، وتدمير برنامجها الصاروخي، وتفكيك أذرعها في المنطقة (حزب إيران في لبنان، حماس، الجهاد الإسلامي، الحشد الشعبي، والحوثيين).

 

كانت العقلية الأمريكية تراقب المعاناة الشعبية من تسلط النظام الإيراني، فتشكّل لديها تصورٌ واهمٌ بأن انهيار النظام سيكون سريعاً لو وُجهت له ضربة قوية مسددة، ما يفسح المجال للمعارضة الإيرانية للتحرك فوراً واستلام زمام الأمور، لتطيح أمريكا بذلك وبضربة واحدة بالنظام والمنظومة العسكرية وتأتي برجالاتها إلى الحكم لينهوا البرامج العسكرية ويقطعوا الإمدادات عن حلفاء إيران.

 

لكن الأمور جرت بما لا تشتهي أمريكا؛ إذ جاءت حسابات المواجهة والردع بما لم تتوقعه هي والغرب قاطبة. ففي أي سيناريو لمواجهة مباشرة، كان أول ما تستهدفه إيران هو القواعد الأرضية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، ومنشآت الرقابة والرصد التي تمسح قطراً يتجاوز 3 آلاف كيلومتر والمرتبطة بشبكة أقمار صناعية تراقب كل صغيرة وكبيرة في إيران وحتى حدود الهند وباكستان.

 

إن استهداف هذه القواعد يفقد أمريكا أهم عامل حاسم في المعركة؛ لأن الاعتماد على القطع البحرية وحدها لا يحسم الحروب لسهولة استهداف السفن وبطء تحركها ما يجبرها على البقاء بعيداً عن اليابسة، بينما تمثل القواعد الأرضية القريبة الجسر الطبيعي المتصل بأرض المعركة والرافد اللوجستي الأقوى للقوات. وبفقدان أمريكا لقواعدها، تفقد معها الدول التي كانت ستقدم الدعم اللوجستي؛ ولا يعني ذلك أن تلك الدول لم تقدم خدمات عظيمة لها، بل كانت الرافد الأقوى لمنع سقوطها وخسارتها المدوية، إلا أن أمريكا تفاجأت برد إيران وخياراته على الأرض، ما أفقد ضربتها الاستباقية قيمتها وجدواها.

 

لقد كان رد إيران أكثر إيلاماً. وإن أكبر خسارة تلحق بأمريكا وربيبها كيان يهود هي خسارة الهيبة؛ هيبة القوة العظمى التي تزهو بها منفردة ولسان حالها يقول أنا ربكم الأعلى الذي لا يُقهر! وتناسى ترامب أن فوق هذا الكون خالقاً يجعل الضعيف قوياً والقوي ضعيفاً، فهو الذي يهب الملك وهو الذي يسلبه، وقد غرّ فرعون قبلُ قوتُه وجبروتُه، قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، فجعل الله الماء الذي يفتخر به يبتلعه هو وجنوده.

 

إن التصور الواهم بقدرة الحلفاء في المنطقة، والتباهي بكيان يهود كرأس حربة يملك أقوى جيش في المنطقة وعلى مستوى العالم، كان مقتل الاستراتيجية الأمريكية وسبب خسارتها لهيبتها العالمية. هذه الخسارة جرأت أصغر دول العالم على أن تقول لأمريكا (لا)، وتمنعها من استخدام قواعدها أو عبور أجوائها وموانئها.

 

وأي خسارة أعظم من أن يستنجد ترامب بحلفه الأطلسي فلا يستجيب له؟ وأي خسارة من أن تنحى أوروبا -الشريك الاستراتيجي التقليدي الذي يسير في ذيل أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية- جانباً عند بدء هذا الهجوم الهمجي على إيران؟ كانت تلك اللحظة هي العلامة الفارقة ورصاصة الرحمة التي أنهت هذه الشراكة الاستراتيجية وللأبد، وأضعفت حلف الناتو.

 

لقد اصطدم ترامب بالمنظومة العسكرية التي حذرته من مغبة هذه المغامرة غير المحسوبة والمحفوفة بالمخاطر، ولكنه لم يصغِ لها واتبع هواه فأضله. وبدل مراجعة الأمر برمته والجلوس مع قادة جيوشه والاستماع لوجهات نظرهم، أقالهم وجاء بمن هم أقل خبرة وتجربة.

 

تعيش أمريكا اليوم أسوأ أيام تاريخها الذي لم تعتبر منه؛ تاريخٌ مملوء بالفشل العسكري الذي مرغته قوى صغيرة لا تملك الكثير من مقومات القوة، وجعلتها تنسحب مذلولة تجر أذيال الخيبة والخسران.

 

إن تردد أمريكا مبني في الأصل على "نظرية الرعب والخوف" أي محاولة بث الرعب في الخصم ليفقد توازنه وينهار بلا قتال، لكن المشهد الميداني يقول غير ذلك تماماً. تلميحات وتحركات ترامب تدل على أن الرجل فقد اتزانه وثقته بقدرة أمريكا على تحقيق أي إنجاز يظهرها بمظهر المنتصر، ولو صورياً. وفي المقابل، يبدو وضع إيران مستقراً، وهناك تلاحم جماهيري مع القيادة لشعور الشعب بأن بلاده مستهدفة من قوى الاستكبار العالمي، وهم مستعدون للتضحية رغم الاختلافات والفوارق العرقية.

 

إن تخلي العالم عن أمريكا ونبذ خططها جعلها تشعر بالوحدة والعزلة، ومن هنا نبع الاضطراب في تصريحات ترامب؛ يهدد باستخدام القوة ثم يؤجلها، ما جعل إدارته أضحوكة عالمية تجرأت عليها الكثير من الدول. وكان نتيجة ذلك ما واجهته به الصين، حين ذكّر رئيس الصين ترامب بالتاريخ، محذراً إياه من الاستهانة بالخصم الصغير أو الاغترار بفائض القوة وعظمة أمريكا، مستدعياً في هذا السياق مأزق "فخ ثوسيديديس" (Thucydides Trap) الاستراتيجي الذي يبدو أن ترامب لم يسمع به قط، ليعود من مواجهته مع التنين الصيني مهاناً ومحاصراً في معركته الاقتصادية والسياسية.

 

وما إن عاد ترامب من رحلته يجر أذيال الخيبة، حتى أسدل الستار على مشهد درامي جديد عبر إعلان استعلائي زعم فيه أنه "أوقف الضربة الساحقة المدمرة على إيران في اللحظة الأخيرة"، مدعياً أن ذلك جاء بعد توسط دول الخليج وتوسلهم لإعطاء الدبلوماسية فرصة أخرى!

 

وما كاد ينهي تصريحه، حتى جاءه الرد الخليجي بالإجماع ليفنّد هذه الادعاءات؛ حيث أكدت تلك الدول أن هذا لم يحدث، وأنهم لم يعلموا أصلاً بخطة الهجوم المعلنة، ولم تكن هناك أي وساطة من طرفهم.

 

كانت هذه التكذيبات بمثابة ضربات أقسى من ضرب الحسام المهنّد، يتلقاها ترامب حتى من الدول التابعة والمحتضنة لقواعده، والتي يغرف من خزائنها بلا حساب، لتكشف هذه الخاتمة زيف ادعاءات أمريكا، وتؤكد أن المانع الحقيقي من توجيه الضربة ليس "الإنسانية والتردد" أو الوساطات المزعومة، بل هو الخوف من رد فعل إيران، والعجز الاستراتيجي الشامل الذي بات يطوق القوة العظمى في زمن انكسار الهيبة.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سالم أبو سبيتان

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع