الخميس، 13 ذو القعدة 1447هـ| 2026/04/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بين صلابة الواقع ونبض الدعوة

 

حين يتحجّر الواقع أمام حامل الدعوة، لا يكون الجمود في الخارج وحده، بل يمتد ظلّه إلى الداخل، إلى القلب الذي كان يفيض أملاً؛ فإذا به يثقل بأسئلة مرهقة: هل للكلمة أثر؟ هل للصوت صدى؟ أم أن الريح تبتلع كل نداء؟

 

الدعوة في جوهرها ليست صراعاً مع الناس بقدر ما هي صراع مع الزمن؛ فحامل الدعوة يحمل فكرةً تريد أن ترى النور، بينما الواقع أحياناً يكون قاسياً، لا يستجيب بسهولة، ولا ينفتح إلا بعد طول صبرٍ وتكرار طرق. وهنا، في هذه المسافة بين الرغبة في التغيير وواقع الجمود، يتسلّل اليأس خفيّاً كالدخان؛ لا يُرى في أول الأمر، لكنه يخنق الروح إن استقرّ.

 

غير أن اليأس في حقيقته ليس دليلاً على فشل الدعوة، بل على شدّة تعلّق حامل الدعوة بنتائجها، وهو وجهٌ آخر لحبّ استعجال الثمرة؛ حين يريد أن يراها قبل أوانها. لكن سنن الحياة لا تنحني لرغبات الأفراد، بل تمضي وفق إيقاعٍ أعمق، حيث تنبت البذور في الخفاء قبل أن تظهر على السطح.

 

إن أخطر ما يواجه حامل الدعوة ليس رفض الناس، بل اختزال مهمته في الاستجابة الفورية؛ فالدعوة ليست صفقة تُقاس بنتائج عاجلة، بل رسالة تُغرس في الوعي، وقد تظل كامنةً حتى يحين أوانها. فكم من كلمةٍ قُبلت في غفلة، فأثمرت في يقظةٍ متأخرة، وكم من موقفٍ ظنّه صاحبه عابراً، فإذا به نقطة تحوّل في حياة آخرين.

 

وحين يتحجّر الواقع، فإن أول ما ينبغي مراجعته ليس صدق الرسالة، بل مرونة الوسيلة؛ فالفكرة الحيّة لا تموت، لكنها قد تحتاج إلى أسلوبٍ جديد، أو مدخلٍ مختلف، أو قلبٍ أكثر قرباً من الناس.

 

إن القلوب لا تُفتح بالقوة، بل تُستمال بالرفق، ولا تُقاد بالإكراه، بل تُستدرج بالحكمة والموعظة الحسنة.

 

ثم إن حامل الدعوة، مهما بلغ إخلاصه، ليس مسؤولاً عن النتائج، بل عن البلاغ؛ وهذه حقيقة، حين تستقر في النفس، تُحرّرها من ثقل التوقّعات، وتعيد إليها صفاء النيّة؛ فلا يعود يعمل ليرى الأثر، بل لأنه يؤمن أن العمل ذاته عبادة، وأن كل جهدٍ صادقٍ له مكانه في ميزانٍ لا يضيع فيه شيء.

 

لذا، فاليأس ليس نهاية الطريق، بل محطة تنبيه، ودعوة لإعادة التوازن بين القلب والعقل، بين الحماس والحكمة، بين الأمل والصبر. فإن استطاع حامل الدعوة أن يعبر هذه اللحظة، خرج منها أكثر عمقاً، وأكثر فهماً لطبيعة الطريق.

 

الواقع قد يتحجّر، لكنه لا يبقى كذلك إلى الأبد، وما يبدو صلداً اليوم قد يتشقّق غداً تحت أثر قطرة ماءٍ ظلّت تسقط بصبر؛ وحامل الدعوة في النهاية، ليس إلا تلك القطرة: صغيرة في حجمها، عظيمة في أثرها حين تثابر.

 

لهذا، فإن اليأس لا يُطرد بالقوة، بل يذوب باليقين؛ لأن الحق باقٍ، ولأن الكلمة الصادقة لا تموت، ولأن الطريق - وإن طال - ليس بلا نهاية.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع