الثلاثاء، 28 رمضان 1447هـ| 2026/03/17م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الرابعة والعشرون

لماذا يخافون من الإسلام؟

 

الخوف من الإسلام اليوم لا ينبع من شعائر الصيام أو الصلاة أو الحج، بل ينبع من فهمه كنظام كامل للحياة؛ نظام حكم، وعدل، ومحاسبة ومحاكمة للمسؤولين عن الناس. الإسلام ليس مجرد مجموعة طقوس، بل هو منهج متكامل يحدد كيفية إدارة الدولة، وتنظيم المال، وضمان حقوق الناس، ومحاسبة الحاكم على كل قرار يتخذه. ولهذا السبب، يخاف منه الطغاة ليس لأنه يهدد المصالح الروحية للناس، بل لأنه يهدد مصالحهم الشخصية، ويجردهم من شرعية استغلال السلطة، ويوقف نهب الثروات، ويعيد السيادة للأمة بأكملها.

 

في مصر، وفي كثير من البلاد الإسلامية اليوم، يختصر الدين في شعائر وطقوس دينية فقط. تصلي الجماعة في المساجد، ويحضر الناس الدروس الدينية، وتُعلّم الأخلاق، لكن هذه الممارسات تُعزل عن الواقع السياسي والاقتصادي. لا يُسمح بالإسلام الذي يطالب بالعدل، بالإشراف على المال العام، أو بمحاسبة المسؤولين. وأي دعوة لتطبيق النظام الإسلامي الكامل تُوصف بالخطر، وتُحاصر، ويُخشى من تأثيرها على وضع السلطة الراهن.

 

خطر الإسلام على الطغاة ليس في أنه يجعل الناس متدينين فقط، بل في أنه يغيّر موازين القوة. ففي الإسلام، لا سلطان فوق الشرع، والحاكم مسؤول أمام الله ثم أمام الأمة عن كل قرار يتخذه. فلا يمكن أن يسرق المال العام بلا حساب، ولا يمكن أن يظلم الناس بلا محاسبة، ولا يمكن أن يستعبد الناس بمصطلحات "القانون" أو "الأمن القومي" ليبرر الفساد. هذا النظام يجعل الظلم مكشوفاً، ويضع حداً لممارسات استغلال السلطة، ويجعل الأمة صاحبة القرار والسيادة.

 

الأمثلة على ذلك كثيرة في التاريخ الإسلامي. خلال خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان الحاكم نفسه خاضعاً للمحاسبة. كان عمر يمر على الأسواق ليتأكد من عدم استغلال التجار للناس، وإذا وجد أحد المسؤولين أو التجار يخالف العدل، لم يتردد في تطبيق العقوبة عليه، مهما كان منصبه. هذا النظام منع الظلم قبل أن يتحول إلى ظاهرة عامة، وجعل الناس يشعرون بأن الدولة تعمل لصالحهم، لا لصالح الحاكم أو النخبة. هذا ما يخشاه الطغاة اليوم؛ نظام يجعل الشعب صاحب السلطان والحق الأعلى.

 

رمضان يكشف هذه الحقيقة بوضوح. في الشهر الكريم، يشعر الناس بالجوع والعطش، ويتعلمون قيمة الصبر والانضباط. لكن هذه التجربة الرمضانية تكشف أيضاً جوهر الإسلام: أنه لا يهدف إلى إسعاد الظالم، بل إلى حماية الناس وإرساء العدل. الإسلام ليس خطراً على الناس، بل على أولئك الذين يستغلون الناس ويحتكرون السلطة والثروة. كل شعيرة يقوم بها الصائم، من الصدقة إلى التراويح، تحمل رسالة العدل والمساواة.

 

لنأخذ مثالاً عملياً في حياة اليوم: ارتفاع الأسعار والفقر. لو طبّق النظام الإسلامي كما أمر الله، لكان هناك حدّ للأرباح الجشعة، ورقابة على الأسواق، وتوزيع للثروات بما يحقق العدل ورعاية شؤون الناس. أما ما نراه اليوم من ارتفاع الأسعار وترك الناس يعانون، فهو نتيجة غياب نظام يطبق العدل بشكل صارم. هنا يظهر الفرق بين الإسلام كنظام شامل وبين الدين "المدجن" الذي يُسمح به: الأول يحاسب، والثاني يترك الناس ضحايا للظلم والفساد.

 

الأمر نفسه ينطبق على المحاسبة السياسية. في الإسلام، الحاكم مسؤول أمام الله وأمام الأمة، فلا يمكن أن يظل في منصبه ويظلم الناس دون رادع. أما اليوم، فلا توجد آليات حقيقية لمحاسبة المسؤولين، ولهذا يظل الطغاة في مواقعهم، يستغلون الناس ويحتكرون الثروات ويشعرون أن لا رادع لهم. هذا هو السبب في أن الإسلام الكامل يُخيف، ليس لأنه دين، بل لأنه مشروع عدل يفضح الظلم.

 

رمضان هو فرصة لفهم هذا البعد من الإسلام أن الدين ليس مجرد شعائر، بل نظام حياة. وأن العبادات تعلّم الصبر والانضباط، وأن النظام الإسلامي يعيد الحق إلى أصحابه، ويوقف الظلم عند جذوره. الإسلام، إذا طبق، لن يكون خطراً على الناس، بل على الظلم، على الفساد، على استغلال السلطة. وهذا هو جوهر ما يخشاه الطغاة اليوم؛ أن يطبق القانون الإلهي في الأرض، وأن يصبح الشعب صاحب القرار، لا الظالم المستبد.

 

بهذه الطريقة، نفهم لماذا يخافون من الإسلام، ليس لأنه يزيد تقوى الناس فقط، بل لأنه يزيل الغطاء عن الطغاة ويعيد السيادة للأمة، ويضع العدل والمحاسبة في قلب كل نظام سياسي واقتصادي. رمضان، بشعائره وتجربته الروحية، يكشف الحقيقة: الإسلام حماية للناس وليس تهديداً لهم، بل للظلم الذي يحيط بهم.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع