الأحد، 12 رمضان 1447هـ| 2026/03/01م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

الثبات على الحق والسبيل الوحيد لجلب النصر

 

 

حين تضطرب الموازين وتختلط المفاهيم، يبحث الإنسان عن معيار ثابت يزن به طريقه بين الصواب والخطأ، وبين العدل والهوى. وقد أثبتت تجارب الأمم قديماً وحديثاً أن النصر لا يُصنع بالقوة المجردة، ولا بكثرة العدد، ولا بتبدل المواقف تبعاً للمصالح، بل يُصنع حين يستند الإنسان إلى مبدأ قويم لا يتغير بتغير الظروف. وهذا المبدأ في الرؤية الإسلامية هو الحق الذي أنزله الله هدايةً للبشر، وهو الإسلام بمنهجه المتكامل الذي يجمع بين العقيدة والعدل والعمل.

 

فالحق في الإسلام ليس فكرةً نظرية تُقال في أوقات السلم وتُترك عند الشدائد، بل هو طريق حياة كامل يختبر صدق أصحابه حين تضيق السبل وتشتد المحن. وقد دلّ التاريخ مراراً على أن الأمة التي تتمسك بدينها وتمضي بثبات على قيمه لا تنكسر وإن تعثرت، ولا تضيع وإن طال انتظارها؛ لأن الثبات على الحق يمنحها قوةً معنوية تتجاوز حدود السلاح والمال. إن الإيمان الراسخ يصنع وضوح الهدف، ووحدة الصف، واستعداد التضحية، وهي جميعها مقدمات النصر الحقيقي.

 

ومن هنا كان الثبات على الإسلام ليس مجرد موقف تعبدي فقط، بل مشروع نهضة وصناعة مستقبل؛ إذ إن الانتصارات الكبرى لم تكن وليدة لحظة حماس عابرة، وإنما ثمرة صبر طويل على المبدأ، وثقة بوعد الله، وإصرار على السير في الطريق المستقيم مهما كثرت المغريات أو اشتدت الضغوط. فالحق إذا حُمل بصدق وصبر أهله على تبعاته تحوّل من عقيدة في القلوب إلى قوة تغيّر مجرى التاريخ.

 

فقبل قيام الدولة الإسلامية لم يكن المسلمون في مكة يملكون سلطاناً ولا قوة مادية، بل كانوا أقلية مستضعفة تواجه ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً وتعذيباً جسدياً شديداً. ومع ذلك قدّم الرسول ﷺ وأصحابه أعظم نموذج للثبات على الحق، حتى أصبح ذلك الثبات نفسه أساس النصر الذي تحقق لاحقاً بعد قيام الدولة في المدينة المنورة. ومن أبرزها وبعجالة:

 

ثبات النبي ﷺ أمام الإغراء والتهديد: فقد ساومه كفار قريش وعرضوا عليه المال والملك والجاه مقابل أن يترك دعوته، ثم انتقلوا إلى التهديد والمقاطعة. ومع ذلك أعلن موقفه الواضح حين قال لعمه: «يَا عَمِّ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ». وبهذا أعلن أن الحق لا يُساوَم عليه، وأن الدعوة قائمة على المبدأ لا على المصلحة.

 

أما صبر الصحابة فقد تجلى في صبر آل ياسر تحت التعذيب، وثبات المستضعفين من الصحابة، والهجرة إلى الحبشة ثباتاً بالحكمة لا بالمواجهة، والتضحية بالجاه والمال كأمثال مصعب بن عمير، والتضحية بالمكانة المجتمعية كأبي بكر الصديق.

 

ومن هذه المرحلة، مرحلة ما قبل الدولة، ثبت أن النصر لا يبدأ بالسيوف ولا بالسلطة، بل يبدأ برجال ونساء ثبتوا حين كان الثبات هو الخيار الأصعب. فحين ترسخت المبادئ في القلوب جاءت الدولة لاحقاً نتيجةً طبيعية لذلك الصبر الطويل؛ لأن الناس تلتف حول من لا يبدل موقفه تبعاً للمصالح، والثبات يمنح القضية قوة تتجاوز القوة المادية، لأن الخصم يراهن غالباً على انهيار أصحاب الحق مع الزمن، فإن صمدوا تغيّرت المعادلة.

 

والصبر مسار طويل، وقد تتأخر نتائجه، وقد تشتد المحن، ولكن التاريخ يشهد أن القضايا التي ثبت أهلها على مبادئهم وعياً وصبراً وتخطيطاً هي التي انتصرت في النهاية.

 

ولكن هناك أصنافاً للناس في الثبات، أذكر منهم ثلاثة:

 

الصنف الأول: الملتزمون بشرع الله، الفاهمون لدينهم، يتحملون ما يتعرضون له من ظروف وأحداث صعبة، حيث يمثل لهم التمسك بالمبدأ بمثابة الخلاص والنجاة من أي صعاب، كما أنه يمثل لهم طوق النجاة، وهم أهل التغيير الجذري وعودة الإسلام إلى حياتهم.

 

الصنف الثاني: ملتزمون إلى حد التعصب، وهؤلاء يصلون إلى التطرف والمغالاة في دين الله دون فهم صحيح للنصوص الشرعية، ما يعرضهم لكثير من الانتقادات، وتنفر الناس من هذا الغلو.

 

الصنف الثالث: يكون تمسكهم بمبدئهم قائماً على الظروف والاحتياجات، فنجدهم يتمسكون بمبدئهم ليوم ثم يتخلون عنه بعد ذلك مع تغير الظروف، وتكثر المبررات. وهؤلاء الأشخاص لا يمكن الوثوق بهم، بل يكونون أخطر على المجتمع من الأشخاص عديمي المبدأ.

 

وهناك خلط بين المبدأ والرأي؛ فقد يظن البعض أن الثبات على المبدأ مجرد حماقة بالية، ولكن هؤلاء لديهم خطأ كبير في التفريق بين الرأي والمبدأ، لذلك يجب التفريق بينهما:

 

الرأي هو اجتهاد بشري أو تقدير شخصي لطريقة فهم الواقع أو التعامل معه، فهو قابل للتغيير ويتأثر بالمعلومات الجديدة، ويختلف من شخص لآخر، ولا يستحق التضحية لأجله مطلقاً. والخلاف في الرأي أمر طبيعي، ويسهل التعايش معه في المجتمع بناءً على مساحة الحرية والتحضر فيه، سواء أكان خلافاً اجتماعياً أو ثقافياً.

 

أما المبدأ فهو قاعدة ثابتة يقوم عليها التفكير والسلوك، ولا يتغير بتغير المصالح أو الظروف؛ لأنه مرتبط بقناعة عميقة أو مرجعية عليا. فهو ثابت لا يتبدل بسهولة، ويرتبط بالقيم الكبرى أو العقيدة، وهو الذي يوجه القرارات وليس العكس، ويضحي الإنسان لأجله. فالمبدأ هو عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام.

 

ويحدث الخلط لأن التعصب الشخصي يجعل الإنسان يظن رأيه حقاً مطلقاً، ويغلف هذا التعصب ضعف المعرفة بالمقاصد، ما يجعل الوسيلة تبدو وكأنها أصل، كما أن ضغط الواقع يدفع البعض لتحويل المبادئ إلى آراء قابلة للمساومة.

 

الرأي يختار الطريق، أما المبدأ فيحدد الوجهة؛ فإذا تغير الرأي بقي الإنسان على طريقه، أما إذا ضاع المبدأ فقد ضاعت الرحلة كلها مهما بدا الطريق ناجحاً.

 

وحتى يتلبس الفرد أو الجماعة صفة الثبات الحقيقي، لا مجرد الادعاء أو الحماس المؤقت، فإن هناك متطلبات أساسية إذا غابت سقط الثبات عند أول امتحان.

 

إن الثبات ليس شعوراً عابراً، بل بناء متكامل يقوم على أساس فكري وروحي وعملي، ومنها:

 

1- وضوح المبدأ، أي معرفة لماذا أثبت: لا يمكن للإنسان أن يثبت على شيء لا يفهمه، فالجهل بالمبدأ يجعل صاحبه يتراجع عند أول شبهة أو ضغط. فحين يختلط الهدف أو تتداخل المفاهيم يصبح التراجع أمراً طبيعياً، أما حين يكون المبدأ واضحاً فكرةً وطريقةً من جنس الفكرة نفسها، يعرف الإنسان لماذا يصبر ولماذا يضحي.

 

فليس كل ما نتمسك به مبدأ؛ فقد يكون عادة أو رأياً أو وسيلة، والوضوح يعني التمييز بين الأصل والفرع. فصاحب المبدأ لا يبحث عن حل وسط في أصل دعوته؛ لأن مبدأه واضح عنده أنه حق لا يقبل التفاوض، ويستطيع الرد على الشبهات.

 

لذلك يجب معرفة المبدأ فكرةً وطريقة. فالصحابة لم يثبتوا لأنهم متحمسون فقط، بل لأنهم فهموا معنى التوحيد ومسؤولية الالتزام بالثوابت، لذلك لم تتغير طريقة الدعوة مع تغير ظروفهم من سرية إلى علنية، إلى صراع فكرة، إلى دولة في المدينة.

 

فصاحب المبدأ لا يسأل: لماذا أتحمل الألم الآن؟ ولا يعيش ازدواجية يقول شيئاً ويفعل عكسه، يعلن المبدأ ويبحث سراً عن مصلحة تعاكسه؛ لأن الانسجام الداخلي قولاً وفعلاً يولّد قوة نفسية هائلة.

 

2- اليقين الداخلي هو القوة التي تجعل الثبات ممكناً: قد يعرف الإنسان الحق بعقله، لكنه لا يثبت عليه إلا إذا استقر في قلبه حتى يصبح جزءاً من هويته. ولهذا فإن اليقين هو الوقود الحقيقي للصبر والثبات. واليقين هو الاطمئنان الكامل بصحة ما نؤمن به، فلا تهزه الضغوط ولا تغريه المكاسب، وهو نتاج معرفة عقلية وتجربة شخصية وارتباط روحي بالمبدأ. فهناك فرق كبير بين أن أظن أن هذا صحيح وبين أن أقول: أنا أعلم أنه الحق.

فبلال بن رباح في مكة لم يكن يملك إلا اليقين الذي جعل كلمة "أحدٌ أحد" أقوى من الآلام التي كان يشعر بها.

 

3- الاستعداد للتضحية: من يريد الثبات دون ثمن كمن يريد حصاداً بلا زرع! وتجارب التاريخ تظهر أن النصر جاء بعد صبر طويل.

 

4- القيادة أو القدوة: لأن الأفراد يضعفون إذا فقدوا النموذج العملي، أي القدوة الصادقة، فالقيادة توضح الاتجاه وقت الفتن، فهي تختصر الطريق وتمنع الانحراف.

 

5- الجماعة الداعمة والبيئة الحاضنة: الفرد وحده قد يعتليه التعب أحياناً، أما الجماعة فتمنحه قوة إضافية. فالصحبة في الهدف تشكل دعماً نفسياً وفكرياً متبادلاً، ولهذا كان الصحابة يتواصون بالصبر في أوقات المقاطعة والأذى.

 

6- الصبر الزمني: لأن أخطر ما يهدم الثبات هو استعجال النتائج؛ فالحق غير مرتبط بسرعة النصر، ولكنه مرتبط بحتمية النصر مع الثبات.

 

وغيرها كثير، فهذه هي أعمدة الثبات التي يجب أن نحرص على التحلي بها.

 

وفي نهاية الطريق لا يبقى من الضجيج شيء، فالشعارات التي وُلدت من المصالح أو الخوف تزول، بل يبقى ما تأسس على الحق وحده. فالتاريخ لم ينصف الأقوياء سلاحاً دائماً، ولا الأكثر عدداً، وإنما انحاز عبر صبره الطويل إلى الذين عرفوا لماذا ساروا؛ فثبتوا حين تراجع غيرهم، وصبروا حين استعجل سواهم، وحملوا مبدأهم كأمانة لا كعبء يمكن التخلي عنه عند أول منعطف.

 

إن الثبات على تحكيم الشريعة ليس جموداً أمام الواقع، بل رؤية وسط العواصف؛ أن يعرف الإنسان أن الطريق قد يطول، وأن الابتلاء قد يشتد، لكن الحق لا يضيع ما دام في الأرض من يحمله بصدق. فالنصر الحقيقي لا يبدأ يوم تُفتح المدن أو تُرفع الرايات، بل يبدأ يوم ينتصر الإنسان على خوفه وشهوته وتردده، ويختار أن يبقى وفيّاً لما آمن به.

 

هكذا كانت سنة الله في الأمم؛ إذا صلح القلب استقام الطريق، وإذا استقام الطريق جاء التمكين في الوقت الذي يختاره الله لا الذي يستعجله الناس.

 

ليس انتظاراً سلبياً، بل عمل وصبر ويقين يمضي بصاحبه خطوة بعد خطوة، حتى تتحول الفكرة إلى واقع، والصبر إلى فتح، والوعد إلى حقيقة يراها الجميع بعد أن آمن بها القليل.

 

فمن أراد النصر فليبحث عنه أولاً في داخله؛ في صدق نيته، وفي وضوح مبدئه، وفي يقينه بأن الحق وإن تأخر ظهوره لا يُهزم أبداً. فابحث عن الصادقين وكن منهم.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع