الأربعاء، 07 شوال 1447هـ| 2026/03/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-03-25

 

جريدة الراية:

حرب إيران

واختبارات القوة

 

 

إنّ الحرب العدوانية التي شنّتها أمريكا وكيان يهود على إيران ليست مجرّد عملية عسكرية في منطقة الخليج بل هي اختبار معقّد لحدود القوة الأمريكية، ولقدرة النظام الدولي على خوض الصراعات الإقليمية الجديدة في مرحلة انتقالية تتغير فيها موازين القوى العالمية بسرعة.

 

فالقوة العسكرية، برغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى، والحروب العسكرية في مناطق حسّاسة كالخليج العربي ترتبط ارتباطا وثيقاً بالاقتصاد العالمي وبأسواق الطاقة الدولية وبالتجارة العالمية، خاصة وأنّها تقع بجوار ممر مائي يعد من أهم الممرات المائية في العالم وهو مضيق هرمز الذي تمر منه 20% من إمدادات النفط والغاز العالمي.

 

قدّرت أمريكا ابتداء أنّ الحرب مع إيران على الأغلب سوف تكون مجرد مواجهة عسكرية عابرة، ولم تع أنّها ستتحوّل إلى أهم اختبار لحدود قوتها، وقدرتها على توجيه النظام الدولي من خلال هذه الحرب.

 

فمنذ اليوم الأول للحرب روّج رئيسها ترامب لفكرة تحقيق انتصار سريع على إيران، إلا أنّ وقائع الحرب المتلاحقة دلّت على خطأ تلك المزاعم، فطلب ترامب مضطراً من حلفائه الأوروبيين والأطلسيين، بل ومن الصين وأستراليا واليابان المساعدة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، أي أنه يطلب منهم المساعدة في محاربة إيران، وهو ما يناقض عمليا فكرة النصر المزعومة.

 

إن إغلاق إيران لمضيق هرمز بسهولة، وتعطيل الملاحة فيه، وضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة طاقة حقيقية عكست حجم القلق العالمي من استمرار الحرب، وأكّدت على أنّ أي مواجهة عسكرية في الخليج لا تبقى مسألة إقليمية محصورة، بل إنها تتحوّل فورا إلى قضية اقتصادية عالمية، فهذه الحرب الجارية في الخليج باتت تؤثر على العالم بأسره، وتسعى إيران فيها إلى تثبيت قواعد ردع جديدة تحافظ من خلالها على نظام الحكم فيها من السقوط، وترفض الخضوع والنزول من مستوى الدولة التي تقبل بالدوران بالفلك إلى مستوى الدولة التابعة، فها هي تمتص الضربات العنيفة التي تتلقّاها من أمريكا وكيان يهود، وتقدم التضحيات وتصبر على معاناة شعبها أملاً في الثبات على مكانتها واستمراراً في الحفاظ على نموذجها في الحكم منذ أربعين عاما.

 

أمّا أوروبا فتردّدها الواضح في الانخراط الكامل إلى جانب أمريكا في التحالف البحري الذي اقترحته إدارة ترامب لحماية الملاحة في الخليج يعكس مدى حجم الشرخ الذي توسّع بينها وبين أمريكا والذي أصاب تحالفهما التقليدي التاريخي في مقتل، ولعل المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد عبّر عن موقف أوروبا إزاء الحرب بقوله: "إن الحرب في الشرق الأوسط ليست من شأن حلف الناتو، ولذلك لن تتدخل ألمانيا عسكرياً"، وحتى بعض الأوروبيين الذين يتفقون مع إدارة ترامب في هدف كبح إيران باتوا يتكلمون بصراحة عن غياب خطة مشتركة واضحة لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

 

أمّا روسيا والصين فتراقبان التطورات العسكرية بحذر، وترغبان في غرق أمريكا في المستنقع الخليجي، وتسعيان لإضعافها بإشغالها في حروب طويلة لا طائل منها تستنزف قواها، ومن ثمّ تتقدّمان لإثبات حضورهما الاقتصادي والسياسي في المنطقة.

إنّ استمرار الحرب قد أدّى إلى تكدس ناقلات النفط على طرفي مضيق هرمز وأوقف مرورها، وساهم حتى الآن في رفع سعر برميل النفط إلى 120 دولارا، وربما سيصل إلى 200 دولار إذا استمرت الحرب لعدة أسابيع قادمة، وهو ما يزيد من المخاوف العالمية من حدوث ركود عالمي خاصة بعد استهداف بعض منشآت النفط والغاز في دول الخليج بصواريخ إيرانية رداً على استهداف منشآت الطاقة في بارس الإيرانية.

 

لا شك أنّ هذه الحرب ستؤدي إلى رسم ملامح جديدة للنظام الدولي في السنوات المقبلة خاصة بعد فشل إدارة ترامب في فرض صورة من صور الاستسلام على إيران، وفشلها في تغيير القيادة الإيرانية وإسقاط النظام الإيراني، ومن ثمّ حصل التراجع الواضح عن هذه الأهداف والعودة إلى الادعاء بأنّ أمريكا تريد فقط القضاء على البرنامج النووي والصاروخي لإيران.

 

لقد كان رد إيران على اعتداء أمريكا وكيان يهود عليها رداً وجودياً وليس كما توقعته إدارة ترامب بأن يكون رداً شكلياً ومحدوداً، ولم يقتصر الرد على إطلاق الصواريخ على كيان يهود ودول الخليج وحسب، وإنما أيضا في التحكم المطلق في مضيق هرمز وتوظيف إغلاقه في التأثير على الاقتصاد العالمي.

 

كما استخدمت إيران ورقة حزبها في لبنان بكفاية عالية غير متوقعة أعادت فكرة إغراق كيان يهود في المستنقع اللبناني كما كان في ثمانينات القرن الماضي، ولوّحت أيضا باستخدام ورقة الحوثيين بكفاية أعلى عند الضرورة.

 

وقد أفادت بالفعل تقارير أمريكية عدة بذلك فقالت بأنّ فريق ترامب "أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول أنّ إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة.

 

والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً، لذلك اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأمريكية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة".

 

يبدو أنّ إدارة ترامب تبحث الآن عن مخارج تحفظ ماء وجهها خاصة في ظل المعارضة السياسية الشديدة لإطالة الحرب، داخل أمريكا وخارجها، وبسبب الخوف من تأثيرها السلبي على الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

 

والمرجح أن ترامب سيعلن كذباً عن تحقيق نصر ساحق والادّعاء بأن قواته دمّرت قوة إيران بنسبة أكثر من 90% وأنّها أعادتها عشرين عاماً إلى الوراء، وأنها ستستمر في محاصرتها وفرض العقوبات عليها، وستستمر في ضربها كلما تجد ما يدعو إلى فعل ذلك حتى توافق إيران بشكل كامل على كافة شروطها.

 

ومن ناحية أخرى فقد كشفت هذه الحرب عن نقطة ضعف شديدة في حرية الملاحة الدولية عبر المضائق المائية وفي عدم قدرة الدول الكبرى على تأمين حماية تلك المضائق، كما كشفت عن هشاشة الاقتصاد العالمي وارتباطه الوثيق في مصادر الطاقة، وهو ما أكّد تراجع حالة الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي وفشل فكرة الأحادية القطبية، وفشل محاولات ترامب لإيجاد نظام دولي جديد تسيطر عليه أمريكا بمفردها.

 

بقلم: الأستاذ أحمد الخطواني

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع