الأربعاء، 07 شوال 1447هـ| 2026/03/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-03-25

 

جريدة الراية:

 انهيار القانون الدولي

والتغيرات العالمية

 

 

يعود أصل القانون الدولي إلى منتصف القرن السابع عشر. فقد بدأت دول أوروبا بتنظيم العلاقات فيما بينها، ووقعت عام 1648 معاهدة ويستفاليا. وقد كانت هذه المعاهدة بداية لإضفاء الشرعية على القانون الدولي الذي أثّر ليس في أوروبا فحسب، بل في جميع دول العالم. وبهذا أوقفت الممالك النصرانية في أوروبا الحروب التي استمرت بينها لعشرات السنين، وحاولت توجيه قوتها مجتمعة ضد الخلافة العثمانية.

 

وفي مؤتمر فينّا الذي انعقد عام 1815 نوقشت العديد من القضايا التي نشأت عن الحروب الثورية في فرنسا، وانتهى المؤتمر بتحديد الحدود في القارة الأوروبية. غير أن المستعمرين لم يرضوا بالحدود التي قُسمت بينهم، فاندلعت الحرب العالمية الأولى. وفي هذه الحرب هُزمت الدول التي توحدت حول ألمانيا، بينما حصل الطرف المنتصر؛ بريطانيا وفرنسا وروسيا، على نصيب كبير. وفي عام 1919 عُقد مؤتمر باريس، وأُنشئت بعده عصبة الأمم.

 

وهكذا تكوَّن القانون الدولي العام، وأصبح قانوناً ينظم العلاقات بين الدول في حالتي السلم والحرب. وقد مُنحت عصبة الأمم سلطة فوق الدول، وكانت تخدم بريطانيا التي كانت آنذاك الدولة الأولى في العالم. ومع ذلك فإن الطرف المهزوم في الحرب العالمية الأولى أشعل نار الحرب من جديد، فاندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939. وقد تدخلت الولايات المتحدة، التي أصبحت قوة عظمى جديدة، في الحرب العالمية الثانية، وألقت سلاحاً نووياً على اليابان. ونتيجة لذلك هُزم الحلف الثلاثي، وأعيد تشكيل القانون الدولي مرة أخرى. أي أُنشئت الأمم المتحدة، وأصبحت تديرها الدول المنتصرة في الحرب، وهي أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين، عبر مجلس الأمن.

 

كما يتضح من ذلك، فإن الجهة التي تضع القانون الدولي هي الدول الكبرى التي حققت النصر في الحروب، أو الدول الكبرى التي عندما تتكافأ قوتها وتدرك أنها لا تستطيع أن يهزم بعضها بعضاً، تعقد فيما بينها اتفاقات لتنظيم علاقاتها، وتوقّع عليها، ثم تجعلها قانوناً دولياً. ولذلك، إذا انتهكت هذه الدول الكبرى القوانين الدولية فلا توجد جهة تتخذ إجراءات ضدها، غير أنها تتعرض لمعارضة شديدة من دول العالم.

 

فعلى سبيل المثال، شكّل دخول أمريكا إلى العراق بالحرب عام 2003 خرقاً كبيراً للقانون الدولي. وقد ساهم في ذلك أيضاً تعزيز الرأي العام ضد أمريكا بفعل عدد من الدول الكبرى وعلى رأسها بريطانيا. ونتيجة لذلك حاولت أمريكا التقليل من تأثير الرأي العام العالمي. أما في عام 2014 فقد كان استيلاء روسيا على القرم، ثم هجوم بوتين على أوكرانيا عام 2022 بتحريض من أمريكا، حدثاً كبيراً آخر داس القانون الدولي.

 

وأما كيان يهود ربيب أمريكا، فقد شنّ حرباً على غزة منتهكاً كل القوانين الدولية، ومع ذلك لم يُتخذ بحقه أي إجراء. وقد أظهر هذا بوضوح الانهيار الكامل لما يسمى بالقانون الدولي. ولا سيما مع مجيء ترامب إلى رئاسة أمريكا لولاية ثانية، أصبح واضحاً أنه لم يبقَ شيء اسمه القانون الدولي. فقد قام بخطف رئيس فنزويلا مادورو عبر عملية عسكرية، دون أن يحسب حساباً للرأي العالمي ولا للدول الكبرى. ولم يكتفِ بذلك، بل دعا إلى ضمّ جزيرة غرينلاند وكندا إلى أمريكا، كما اتهم عدداً من دول أمريكا الشمالية وقادتها بارتكاب جرائم دولية.

 

ثم أعلن ترامب بعد ذلك عن إنشاء "مجلس السلام"، ثم عقد أول اجتماع له. وقد جاء ذلك في الوقت الذي انسحبت فيه أمريكا من 66 منظمة دولية، نحو نصفها تابعة للأمم المتحدة. وقد عيّن ترامب نفسه رئيساً دائماً لهذا المجلس، واستأثر وحده بحق المصادقة على قراراته. ولم يلتفت إلى البنية الدولية القائمة من قبل، ولا إلى القوى العالمية الرئيسية الأخرى غير أمريكا.

 

وقد صُمّم هذا المجلس كهيئة بديلة لتحل محل منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها. وله هيكل جديد ونظام تصويت جديد، ويشكل مساراً موازياً تماماً للنظام العالمي القائم. وفي الوقت نفسه خصص له عشرة مليارات دولار، وأجبر الدول الخاضعة له على دفع عشرة مليارات دولار أخرى. وكل ذلك يدل على رغبة أمريكا في إنهاء النظام الدولي القائم، وإنشاء نظام أحادي القطب تكون هي فيه القوة الوحيدة الآمرة وصاحبة القرار. وبهذا أظهر بوضوح أنه لا يقبل بالتعددية القطبية الدولية، ولا يريد أي قوة دولية يمكن أن تنافسه في الهيمنة على النظام العالمي.

 

وقد فتح هذا التعالي المتكبر الباب أمام ترامب ليقصف إيران من جديد. ولم يكتفِ بذلك، بل يسعى أيضاً إلى تغيير النظام فيها من أجل توسيع نفوذ ربيبه كيان يهود. وبعبارة أدق، فإنه يهدف إلى تقليص الدور الإقليمي لإيران وتحويلها إلى دولة تابعة لا تستطيع أن تشكل تهديداً لكيان يهود.

 

وعليه، فإن التغيرات في الوضع الدولي اليوم ترافقها حالة انهيار للقانون الدولي، ومن المتوقع أن يشتد التنافس على النفوذ بين الدول الكبرى في المرحلة القادمة. ولا سيما مع تراجع أهمية الاتفاقيات الدولية، حيث ستسعى كل قوة كبرى إلى الحفاظ على نفوذها في نطاقها الخاص.

 

وفي مثل هذه الظروف تزداد الحاجة إلى الإسلام الذي أنزل هداية ونوراً للبشرية جمعاء، وإلى دولة الخلافة التي تطبقه في الحياة. فهي قادرة على تقديم حلول فعّالة للمأزق الذي وصل إليه العالم اليوم، ويمكن أن تكون مرجعية حضارية وقانونية مقبولة لجميع البشر على وجه الأرض، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

 

 

بقلم: الأستاذ ممتاز ما وراء النهري

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع