- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
مجلس الأمن والأوضاع في السودان وأهداف أمريكا
في جلسة إحاطة بمجلس الأمن الدولي حول الوضع في السودان، يوم الاثنين 22/08/2026م، ألقى مسعد بولس، المستشار الرفيع للرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والدول العربية والشرق الأوسط، كلمة نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية في 24 آب/أغسطس 2026م، شكرهم فيها على (ضمان بقاء السودان في صدارة جدول أعمال هذا المجلس هذا الشهر)، ووصف معاناة أهل السودان قائلاً: (يعيش المدنيون في جميع أنحاء السودان كابوساً)، فما هي الخبايا التي تحملها كلمة مسعد بولس؟ وما هي الأسرار الكامنة فيها؟ وما الذي يهدف إليه من خلال هذه الإحاطة؟ وما هو المخرج منها؟
أولاً: إن أمريكا تعمل للوصول إلى أهدافها في السودان، فقد استطاعت إلى حد كبير، وهي الممسكة بملف الحرب، نقل الصراع بعيداً عن دارفور، إلى ساحات أخرى في مناطق كردفان، والنيل الأزرق بصورة وحشية، ترسم خطاً فاصلاً بين الطرفين، ليكون سداً منيعاً من تقدم الجيش نحو دارفور، وذلك لأغراض تتعلق بتثبيت حكومة تأسيس في دارفور.
ثانياً: قال مسعد بولس في إحاطته في مجلس الأمن: (تُظهِر تصرفات القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع أنها تفضل تركيز جهودها على تصعيد العنف، ومحاولة الاستيلاء على أراضٍ جديدة، والسعي وراء نصر عسكري بعيد المنال)، فقوله (نصر عسكري بعيد المنال)، يؤكد أن ورقة الحل التفاوضي في يد أمريكا، لكنها تراوغ، وتطيل أمد الحرب، حتى تطمئن على استفراد رجالها بالمشهد السياسي. فالولايات المتحدة لا ترغب في انتصار طرف على آخر، وتُظهِر مليشيا الدعم السريع الانفصالية، باعتبارها قوة لا تقهر، بل متساوية مع الجيش، إذ إن أمريكا تعتمد على قادة الجيش، وقادة الدعم السريع في السيطرة على طرفي السودان لتفتيته، فهي ترفض الحل العسكري في كل تصريحات سياسييها؛ ففي لقاء مع نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، الثلاثاء في 25/08/2026م، قال مسعد بولس: (اتفقنا مع السعودية بأن لا حل عسكري للنزاع في السودان)، وكذا في مشاوراته الدائمية مع وزير الخارجية المصري ومع رباعيته.
ثالثاً: تركز أمريكا على الأعمال الإنسانية، والهدنة، إذ إنها تهدف من خلال اتفاقيات وقف إطلاق النار إلى سد الطريق تماماً أمام تقدم الجيش السوداني نحو دارفور، وترسيخ سيطرة حميدتي عليها، فتقدم مسعد بولس في إحاطته بمشروع قرار يخدم المخطط الأمريكي، حيث حث القرار على أربعة أمور رئيسية هي:
1- توسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كامل أراضي السودان؛ وذلك لإبطال تحركات المخلصين في الجيش، وشل حركتهم وإضعاف قوتهم، وتعطيلهم من استعادة دارفور.
2- إعادة التأكيد على أن المركبات الجوية غير المأهولة، والأنظمة، والتقنيات ذات الصلة تقع ضمن نطاق حظر الأسلحة. وهذا المقترح، لأن التغطية الجوية، تعدّ أمراً أساسياً في الحروب الحديثة، وتمكّن المشاة من التحرك نحو دارفور، وهذا ما لا تريده أمريكا، لذلك كان مقترح حظر الطيران ضرورياً لدى الإدارة الأمريكية، للحفاظ على قوات الدعم السريع من الانقراض، فأمريكا تعترف بكيان الدعم السريع، وتقرهم على ما هم عليه، وتؤكد على وجودها واستمرارها في جرائمها، وتتجنب الحديث عن تفكيكها وإنهاء وجودها.
3- مطالبة الأمين العام بزيادة عدد الخبراء في فريق الخبراء التابع للقرار 1591، هذا القرار صدر في آذار/مارس 2005 بشأن الوضع في السودان، حيث تم إنشاء فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن السودان بموجبه، وتتمثل مهمته، من بين أمور أخرى، في مراقبة حظر الأسلحة في دارفور. إن وجود خبراء يعني ممارسة الضغط، والتجسس على الطرفين للتأكد من السير حسب ما تريده أمريكا. لأن مقترح مسعد بولس يقول في النقطة (4): (توجيه فريق الخبراء التابع للقرار 1591 للتعاون مع الفرق الأخرى التي تغطي المنطقة من أجل إطلاع المجلس بشكل أفضل)، وهذا هو التجسس بعينه. وأيضاً قال بولس: (تهدف هذه القدرات الموسعة والمعززة إلى... ممارسة الضغط على جميع الأطراف من أجل السعي لإنهاء القتال). فالضغط على العملاء ليس بجديد على أمريكا، فقد مارسته مع عميلها البشير وزمرته حتى تم فصل الجنوب، والآن تمارسه بقوة حتى صاح البرهان، ونائبه مالك عقار من شدته، ففي خطاب له بمدينة المناقل في ولاية الجزيرة أكد البرهان أنه (لا يستبعد فرض عقوبات جديدة على السودان وشخصه، في الأيام المقبلة، مشدداً على أن أعداء السودان يريدون إخضاع البلاد وتركيعها). وفي مقابلة مع قناة الجزيرة قال مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة: (... نتعرض لضغوط كبيرة للقبول بالمبادرة الأمريكية، لكننا متمسكون بموقفنا) (سودان تريبيون). بل أرسل بولس رسالة تهديد لمجلس الأمن قائلاً: (دعوني أكون واضحاً: إذا رفض هذا المجلس اتخاذ إجراءات، فإن من سيتحملون العبء الأكبر هم الشعب السوداني).
لذلك كان من الضروري النظر إلى المقترحات التي تقدمها أمريكا، سواء عبر مسعد بولس شخصياً في مجلس الأمن، أو من خلال اللجنة الرباعية، أو الخماسية، باعتبارها تهيئة تدريجية لاستكمال مسرحية فصل دارفور، وجعل موضوع التفاوض مرتبطاً في مناطق النزاع الأخرى، وإخراج دارفور من دائرة النزاع.
وللعلم فإن ما يرد في المقترحات من أزمة إنسانية في السودان لا يهم أمريكا ولا ترامب! ولا حتى رجالها في السودان، فالسياسة الخارجية الأمريكية تعتمد قاعدة واحدة فقط: (أمريكا أولاً) وليس إنسان السودان! فيكون المقصود هو تمكين جواسيسهم من الدخول والخروج، ومراقبة الطرفين والضغط عليهم، للإسراع في تنفيذ مؤامرة شق السودان.
ويظهر النفاق، على لسان مسعد بولس في إحاطته في مجلس الأمن حيث قال: (لقد جعلت الولايات المتحدة حماية شعب السودان أولوية منذ اليوم الأول لهذه الحرب؛ ولهذا السبب سعينا إلى التوصل إلى إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين في السودان... ولهذا السبب سعينا منذ ذلك الحين، يوماً بعد يوم، إلى تحقيق المزيد من الهدنات الإنسانية ووقف إطلاق النار والترتيبات الرامية إلى السلام وحماية المدنيين)، فأين هذه الحماية المدَّعاة، وهو يسعى يوما بعد يوم، والحرب في عامها الرابع دون حسم عسكري، ولا هدنة؟! أين هذه الحماية، ومسعد بولس نفسه شاهد على الويلات التي تصيب أهل السودان، حيث قال في إحاطته: (أود أن أشير بشكل خاص إلى مدى فداحة الخسائر البشرية الناجمة عن الاستخدام المتزايد للطائرات المُسيّرة المسلحة... وأنها قد أودت بحياة أكثر من 1120 مدنياً سودانياً بالفعل في النصف الأول من هذا العام)، وأشار إلى موجات النزوح الجديدة الناجمة عن العنف وانعدام الأمن في الأسابيع الأخيرة، وقال إنها: (أمرٌ مفجع). أين هي؟!
إن الحل هو ما ظل يؤكد عليه أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة في تناوله لقضايا السودان، فنقول أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، هكذا يعود السودان قوياً عزيزاً بالإسلام، تعلوه راية العقاب راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
يعقوب إبراهيم - ولاية السودان



