- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
صراع النفوذ وهندسة الشرق الأوسط: قراءة خارج الصندوق
جميلٌ أن يُفكّر الإنسان خارج الصندوق، مع أن ما في داخله هو الأساس الذي بُني عليه التحليل خارجه. فالمشاريع القائمة اليوم بُنيت في أصلها على هندسة الشرق الأوسط الجديد وإعادة صياغته لتحقيق أهدافٍ كبرى، وذلك بالنظر لموقع الشرق الأوسط وأهميته الاستراتيجية وخطورته.
إن الشرق الأوسط هو بوابة السيطرة العالمية؛ فمن يُحكِم قبضته عليه يُحكِم قبضته على خِناق العالم، ولا سيما دوله الكبرى والعظمى. إن العالم يختزل أنفاسه في هذه الجغرافيا صغيرة المساحة، العظيمة المكانة؛ ففيها تلتقي القارات جغرافياً ومائيا (آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، والأمريكتان)، ولا يمكن لدول العالم قاطبةً الاستغناء عن مواردها الطبيعية التي حباها الله، ولا عن طقسها المتفردة به عالميا، ولا عن ممراتها البرية ومضائقها المائية وجغرافيتها التي تختصر المسافات. كما لا يمكن للعالم إغفال أهميتها الدينية؛ فهي مهد الرسالات ومنطلق خاتمتها السماوية التي أناط الله بها إدارة المشهد العالمي منذ نزولها، ولا يزال هذا الدور قائماً تتغافل القوى السياسية عن التطرق إليه للتعمية والتضليل، وذرّ الرماد في العيون حتى لا يتنبه أصحاب القضية الكبرى لأهميته وخطورته.
وبالتالي، فإن حزب التحرير حينما قال كلمته بشأن الصراع ووضَع النقاط على الحروف جعل ذلك قاعدةً مهمة، وهي إخراج إيران من دائرة الفلك إلى دائرة التبعية المطلقة لأمريكا؛ لكي يتم البناء عليه، وهو ما يدفع المفكرين للتفكير خارج الصندوق، لماذا لم تُخرج أمريكا إيران من دائرة الفلك إلى دائرة العمالة المباشرة؟ أم أن أمريكا بهذه الأفعال تُهندس المنطقة بحيث تُحيل إدارتها ظاهرياً لقوى سياسية - ومن ضمنها إيران - مع انكفائها هي ظاهرياً، لتظل المنطقة تحت قبضتها عبر الوكلاء؟
وبالتالي، فإن حزب التحرير حينما قال كلمته بشأن الصراع ووضع النقاط على الحروف، جعل ذلك قاعدةً مهمة؛ وهي أن سعي أمريكا لإخراج إيران من دائرة الفلك إلى دائرة التبعية المطلقة يأتي لأهداف معينة تريدها واشنطن للبناء عليها، وهو ما دفع المفكرين للتفكير خارج الصندوق: لماذا لم تستطع أمريكا - حتى الآن - إخراج إيران من دائرة الفلك إلى دائرة العمالة المباشرة؟ هل يعود ذلك لوجود قوى دولية أخرى تصارع أمريكا بالخفاء، أم أن أمريكا عجزت فعلاً عن تحقيق أهدافها وهو ما تؤكده الوقائع على الأرض؟
ولو قُدّر لأمريكا تحقيق ما تريده، فهل ستبقى إيران مهمشة بلا دور كما كانت تخدم أمريكا سابقاً (خاصة في المنطقة الشرقية وفيما يتعلق بالصين تحديداً)، أم ستُبقي أمريكا المنطقة تحت إدارة وكلاء آخرين كتركيا والسعودية ومصر لتحقيق استراتيجيتها، بعد فشل الوكيل الإيراني في المنطقة ومعارضة كيان يهود له؟
وهل ستسمح القوى الدولية المتضررة من هذه الهندسة وتترك الساحة لواشنطن تلعب بها كما تشاء وتُصمّمها وفق مصالحها؟ أم أن هذه الدول ستنخرط في الصراع حتى لو وصل إلى حدّ الاشتباك المباشر، كون القضية مسألة حياة أو موت؟ وأين دور أصحاب الأرض وأهلها وما يجب عليهم فعله؟ وما المعوّق أمام هذه الشعوب لتكون لها الكلمة الفصل في هذا الصراع العابر للحدود والمدمر للوجود؟
أين أهل الحل والعقد، وأهل الرأي والحِجى من كل هذا؟ ولماذا الاستكانة لهذا العدوان الصارخ المستنزِف للموارد البشرية والمادية، والمستهدف للحمة المجتمعية وعقيدة الأمة ودينها؟ أليس في هذه الأمة رجلٌ رشيد؟
إن الهدف من هذه الحرب يتجاوز الأهداف الظاهرة إلى هدفٍ أسمى (بمنظور صُنّاعها)؛ وهو إجهاض مشروع الأمة الجامع، والمانع لأعدائها من أن يطؤوا أرضها إلا بإذنها وشروطها وقواعدها التي سنّها ديننا الحنيف، والمتمثل في الخلافة الجامعة لهذه الأمة المليارية، التي يُعوَّل عليها في القضاء على المبدأ الرأسمالي وقيمه الفاسدة، وإنقاذ البشرية من هذا السرطان الفاسد والمفسد لكل شيء. فالأمة الإسلامية مكلفةٌ تكليفاً شرعياً بالقضاء على الفساد والمفسدين، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. فإن العمل لإقامة الخلافة على منهاج النبوة ليس ندباً ولا هو مشروع من جملة المشاريع التخيُّريّة، بل هو مشروعٌ واجب العمل به فوراً وحصراً، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
سالم أبو سبيتان



