- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد قمة أنقرة: هل يتشكل نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط؟
ليست التحولات الكبرى في النظام الدولي نتاج قرار واحد أو قمة واحدة، بل هي نتيجة تراكم طويل من الأحداث والتغيرات التي تدفع القوى الكبرى والإقليمية إلى إعادة تعريف مصالحها وأدوارها. وعندما تتزامن أزمات كبرى في مناطق مختلفة من العالم، فإنها غالباً لا تبقى منفصلة، بل تبدأ في تشكيل مشهد استراتيجي جديد تتداخل فيه الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والأمن.
ومن هذا المنظور، فإن قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها أنقرة يومي السابع والثامن من تموز/يوليو 2026، لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد اجتماع دوري لتحالف عسكري، بل باعتبارها محطة تأتي في لحظة دولية شديدة الحساسية: حرب مستمرة بين روسيا وأوكرانيا، وتنافس متصاعد بين الولايات المتحدة والصين، وتوتر متزايد بين واشنطن وطهران، وتحولات عميقة في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تغيرات المشهد السوري، وتصاعد أهمية الممرات البحرية وأمن الطاقة، بحثا عن بدائل لمضيق هرمز في انتظار حل جذري للأزمة.
من حلف دفاعي إلى أداة لإدارة البيئة الاستراتيجية
حين تأسس حلف شمال الأطلسي سنة 1949، كان العالم يعيش ذروة الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي، وكان الهدف المعلن واضحاً: حماية أوروبا الغربية ومنطقة شمال الأطلسي من أي توسع سوفيتي، وترسيخ مبدأ الدفاع الجماعي الذي جعل الاعتداء على دولة عضو اعتداءً على جميع الأعضاء.
لكن انهيار الاتحاد السوفيتي لم يؤدِّ إلى نهاية الحلف كما توقع البعض، بل دفعه إلى إعادة تعريف وظيفته. فقد انتقل تدريجياً من تحالف يركز على الدفاع عن منطقة جغرافية محددة إلى إطار أمني وسياسي أوسع يتعامل مع أزمات تتجاوز حدوده التقليدية. فتدخل في البلقان وأفغانستان وليبيا، ثم عاد بقوة إلى واجهة السياسة الدولية مع الحرب الروسية الأوكرانية.
واليوم، لم يعد مفهوم الأمن في حسابات الحلف مرتبطاً فقط بالحدود البرية أو التفوق العسكري التقليدي، بل أصبح يشمل أمن الطاقة، والتكنولوجيا، والفضاء السيبراني، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية الحيوية. وهذا التحول يعكس تغير طبيعة الصراع في القرن الحادي والعشرين، حيث أصبحت السيطرة على شبكات الاقتصاد والمعلومات لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.
ومع ذلك، فإن قراءة دور الناتو تبقى ناقصة إذا لم توضع في إطار القوة الأمريكية. فأمريكا ليست مجرد عضو في الحلف، بل هي القوة العسكرية والسياسية الكبرى داخله، وصاحبة التأثير الأوسع في تحديد أولوياته الاستراتيجية. لذلك نجده اليوم يتحرك ضمن رؤية أوسع لأمريكا حول شكل النظام الدولي وموازين النفوذ فيه، بغض النظر عن موقف ترامب من حلفائه.
الشرق الأوسط في قلب المعادلة الجديدة
لم يعد الشرق الأوسط منطقة منفصلة عن الحسابات الاستراتيجية الكبرى لأمريكا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، بل اعتبرته في مرحلة لاحقة خطاً أمامياً للدفاع عن أمن الولايات المتحدة، وأطلقت بشأنه مشروعاً أُطلق عليه اسم "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، قبل أن يُعاد تعديله إلى "مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، حيث قُدّم إلى قمة دول مجموعة الثماني الصناعية التي انعقدت في حزيران/يونيو 2004 بمنطقة سي آيلاند. فمسألة انتشار الإسلام عالميا من هذه البقعة من الأرض، والموقع الجغرافي للمنطقة، واحتضانها لأهم مصادر الطاقة، وإشرافها على ممرات بحرية حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، ثم زرع كيان يهود في قلبها، جعلها مرتبطة بشكل مباشر بالأمن القومي الأمريكي مع ملاحظة وجود تيارات داخل أمريكا ترى أن واشنطن ينبغي أن تقلل التزاماتها الحالية في الشرق الأوسط للتركيز على منافسة الصين في آسيا.
ولهذا فإن واشنطن لا تنظر إلى المنطقة فقط من زاوية الصراعات المحلية، بل باعتبارها جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بطبيعة الصراع الحضاري وبمستقبل النفوذ الدولي. فالحفاظ على حرية الملاحة، ومنع توسع نفوذ القوى المنافسة، وضمان أمن الحلفاء، كلها عناصر تدخل في صياغة الاستراتيجية الأمريكية.
وفي هذا السياق، فإن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يمثل أحد أهم الملفات التي يمكن أن تؤثر في شكل النظام الإقليمي القادم. فإيران تمتلك نفوذاً واسعاً في الإقليم، وشبكة من العلاقات والقوى الحليفة، بينما ترى واشنطن وحلفاؤها أن هذا النفوذ يمثل تحدياً لمعادلات الأمن الإقليمي.
من أجل ذلك تسعى أمريكا إلى فرض ترتيبات جديدة تعيد ضبط أدوار القوى الإقليمية، سواء من خلال الأعمال الدبلوماسية والعسكرية، أو من خلال مشاركة بعض حلفائها في كبح جماح إيران وأذرعها. وهذا لا يعني اختفاء إيران من المشهد، بل ربما إعادة تعريف موقعها وشروط مشاركتها في النظام الإقليمي، بانتقالها من دولة تدور في الفلك إلى دولة عميلة تابعة.
فبعد انتهاء القمة مباشرة، شهدت المنطقة تصعيداً متسارعاً، وعادت قضية مضيق هرمز إلى صدارة الاهتمام الدولي، بالتزامن مع ارتفاع مستوى التنسيق العسكري بين عدد من القوى الغربية، والاستعداد لتشكيل ترتيبات مشتركة لتأمين الملاحة وإزالة الألغام، بمشاركة محتملة من دول حليفة بينها تركيا. في المقابل، تبدو إيران أمام مرحلة غير مسبوقة من الضغوط السياسية والأمنية والاستراتيجية.
"قرن تركيا"... مشروع قوة إقليمية في نظام متغير
وسط هذه التحولات، تظهر تركيا باعتبارها إحدى الدول الأكثر قدرة على الاستفادة من تغير البيئة الدولية. فهي تمتلك موقعاً استثنائياً يجمع بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز، وهي عضو في الناتو، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى بناء هامش استقلال استراتيجي يسمح لها بلعب دور يتجاوز حدود التحالفات التقليدية، وهي لاعب إقليمي صاعد يمكن أن يملأ الفراغات التي سيخلفها انسحاب إيران، خصوصا بعد أن نجحت في وضع سوريا تحت جناحها، وعينها في ذلك على العراق.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع "قرن تركيا" الذي تطرحه أنقرة بوصفه رؤية لموقع تركيا في المئوية الثانية للجمهورية. فهذا المشروع لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التنموي، ولا على مشروع "طريق التنمية" الذي يربط دول الخليج بأوروبا، بل يحمل تصوراً سياسياً واستراتيجياً لدور تركيا كقوة مؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي، من خلال تعزيز الصناعات الدفاعية، وتوسيع النفوذ الدبلوماسي، وربط الموقع الجغرافي بالقدرة السياسية.
ويكتسب هذا المشروع أهمية خاصة في ظل الحديث عن تحولات محتملة في بنية الشرق الأوسط. فتركيا تدرك أن المنطقة قد تدخل مرحلة مختلفة، وأن الدول القادرة على الجمع بين القوة العسكرية، والاقتصاد، والقدرة على بناء الشراكات، ستكون الأكثر قدرة على التأثير في شكل النظام القادم.
وفي هذا الإطار، فإن العلاقة مع كيان يهود تمثل أحد الملفات الحساسة. فالكيان يسعى إلى تثبيت موقعه داخل ترتيبات إقليمية جديدة تقوم على التعاون الأمني والاقتصادي، خصوصاً في مواجهة التهديدات التي يعتبرها استراتيجية. أما تركيا، فرغم الخلافات السياسية المعلنة مع الكيان في ملفات عديدة، على غرار قبرص واليونان وسوريا، فإن موقعها الجغرافي ودورها التاريخي في المنطقة يجعلها طرفاً لا يمكن تجاهله في أي صيغة إقليمية مستقبلية.
ولا يعني ذلك بالضرورة انخراط تركيا في اتفاقيات إبراهيمية، بل يشير إلى أن أي نظام إقليمي محتمل سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع حقيقة وجود هذا الكيان كفاعل عسكري واقتصادي مؤثر، تحاول أمريكا دمجه بالقوة في المنطقة.
من يملك القدرة على صناعة النظام القادم؟
إن التحولات الجارية لا تعني أن نظاماً إقليمياً جديداً قد وُلد بالفعل، لكنها تؤكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة ترتيب عميقة. فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت موقعها القيادي عبر شبكة تحالفاتها، بينما يبقى الناتو أحد أهم أدوات القوة الغربية. وفي قلب هذه التحولات تبرز تركيا كقوة إقليمية صاعدة تسعى، من خلال مشروع "قرن تركيا"، إلى لعب دور يتجاوز حدود التأثر بالأحداث إلى المشاركة في صياغة قواعد المرحلة القادمة.
وتبدو أنقرة مرشحة لقيادة ترتيبات أمنية جديدة عبر شبكة من الشراكات تمتد من باكستان إلى مصر والخليج، مع محاولة إعادة تشكيل موقع كيان يهود داخل البيئة الإقليمية، وفتح المجال أمام صيغة جديدة للتعامل مع إيران إذا تغيرت موازين القوة وشروط الدور الإيراني، وهذا المقترح هو جزء من تصريحات سابقة لوزير الخارجية التركي حقان فيدان. (النهار، 2026/06/01)
وفي هذه المرحلة الانتقالية، لن تكون الأفضلية لمن يملك القوة فقط، بل لمن يملك القدرة على قراءة التحولات، وبناء التحالفات، وتحويل الموقع والقدرات إلى نفوذ سياسي. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: هل يتغير الشرق الأوسط؟ بل: من سيكون قادراً على صياغة قواعده الجديدة؟ والأهم، من يمتلك الرؤية الحضارية التي تمنحه القدرة على التأثير في مستقبل المنطقة والعالم؟
ومنذ أحداث الربيع العربي، مروراً بتداعيات صعود الجماعات الإسلامية، وصولاً إلى انفجار الصراع الإقليمي بعد طوفان الأقصى، بات الشرق الأوسط حاضراً بقوة في الحسابات الأمنية الغربية، في حين أكد نتنياهو بأنه لن يسمح بقيام خلافة إسلامية. من أجل ذلك، تحاول القوى الغربية بقيادة أمريكا تحصين مواقعها ومصالحها الاستراتيجية عبر تعزيز تحالفاتها وتفعيل أدوارها الأمنية، بما في ذلك إعادة توظيف دور حلف شمال الأطلسي في مواجهة هذه التحديات الجديدة، متغافلين عن قوله سبحانه: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس وسام الأطرش



