الإثنين، 07 محرّم 1448هـ| 2026/06/22م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

باب المندب بين التهدئة المؤقتة واحتمال التصعيد

 

في السياسة الدولية لا توجد نهايات حقيقية للصراعات، بل انتقال من مرحلة إلى أخرى. ولهذا فإن الحديث المتزايد عن تفاهمات أمريكية إيرانية، أو عن ترتيبات جديدة في المنطقة، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مقدمة لسلام دائم، بل باعتباره جزءاً من عملية إعادة تشكيل لموازين القوى التي اهتزت بفعل الحروب والأزمات المتلاحقة.

 

لقد شكلت السنوات الأخيرة مرحلة استثنائية في تاريخ الشرق الأوسط؛ فمن الخليج إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى لبنان واليمن، بدت المنطقة وكأنها ساحة صراع مفتوح بين مشروعين متنافسين: مشروع تقوده أمريكا وحلفاؤها للحفاظ على النظام الإقليمي القائم، ومشروع آخر تقوده إيران التي استفادت من سماح أمريكا لها بالتدخل في العراق وسوريا ولبنان واليمن لتوسيع نفوذها عبر شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المحلية المنتشرة في أكثر من ساحة.

 

واليوم، ومع تزايد الحديث عن اتفاقات وتفاهمات جديدة، يبرز سؤال أكثر أهمية من الاتفاق نفسه: هل قررت أمريكا احتواء إيران بعد إجبارها على إنهاء دورها في سوريا والضغط عليها في العراق ولبنان واليمن لتقليص نفوذها، أم أنها تستعد للانتقال إلى مرحلة استئصال نفوذها الإقليمي تدريجياً؟

 

إن المتابع للاستراتيجية الأمريكية خلال العقود الماضية يلاحظ أن واشنطن كثيراً ما فرّقت بين الدولة الإيرانية وبين نفوذها الخارجي. فهي قد تقبل بالتفاوض مع طهران، وقد تعقد معها اتفاقات مباشرة أو غير مباشرة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لقبول استمرار موازين القوى التي أنتجتها سنوات التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

 

ومنذ اغتيال قاسم سليماني، بدأت أمريكا وربيبها كيان يهود بإضعاف محور المقاومة وحققتا نجاحاً نسبياً:

 

أولاً: مجالات النجاح النسبي

 

1. إضعاف البنية المركزية للترابط الإقليمي: نجحت السياسات الأمريكية بشكل جزئي في تقليص مستوى التنسيق الجغرافي والسياسي بين مكونات المحور، خصوصاً من خلال التحولات في الساحة السورية، ما أدى إلى تراجع دور سوريا كحلقة وصل استراتيجية كانت تربط إيران ببعض ساحات النفوذ الأخرى.

 

2. استنزاف القدرات الاقتصادية والمالية: أسهمت منظومة العقوبات، خاصة المفروضة على إيران، في فرض ضغوط اقتصادية كبيرة حدّت من قدرة الأطراف المرتبطة بها على التوسع الخارجي، وأجبرت العديد من الفاعلين على إعادة ترتيب أولوياتهم الداخلية والإقليمية.

 

3. تعزيز بيئات ردع إقليمي مضاد: أدى الدعم الأمريكي لحلفائها في المنطقة إلى تعزيز قدرات الردع، وإعادة تشكيل موازين القوة في أكثر من ساحة، بما أسهم في تقييد حرية حركة بعض الفاعلين في الدولتين (أمريكا وكيان يهود)

 

ثانياً: مجالات الإخفاق أو التعثر

 

1. عدم تحقيق تفكيك هيكلي للمحور: رغم الضغوط المتراكمة، لم تنجح السياسات الأمريكية في تفكيك البنية الأساسية للتحالفات الإقليمية المرتبطة بإيران، والتي أظهرت قدرة عالية على التكيف وإعادة التموضع بدل الانهيار.

 

2. استمرار الفاعلية العملياتية للفاعلين غير الدولتين: حافظت قوى مثل حزب إيران اللبناني وبعض الفصائل في العراق والحوثيين على قدراتها العسكرية والسياسية، بل نجحت في تطوير أدواتها بما يتناسب مع بيئات الضغط والحصار.

 

3. محدودية النتائج السياسية للعقوبات: على الرغم من شدة العقوبات الاقتصادية، لم تؤدِ إلى تغييرات استراتيجية جوهرية في سلوك الدولة الإيرانية أو في هيكلية نفوذها الإقليمي، بل ساهمت في تعزيز اقتصاد مقاوم وشبكات التفاف متعددة.

 

يمكن القول إن المقاربة الأمريكية لم تحقق هدف "التفكيك الشامل"، لكنها نجحت جزئياً في إعادة تشكيل بيئة الصراع الإقليمي عبر إضعاف بعض الروابط، ورفع كلفة التمدد، وخلق حالة من الضغط المستمر.

 

في المقابل، أظهر محور "المقاومة" قدرة ملحوظة على التكيف وإعادة التموضع بدل الانهيار، ما جعل النتيجة النهائية أقرب إلى حالة توازن هشّ وصراع طويل الأمد، وليس حسماً استراتيجياً لصالح أي طرف. لذلك تسعى أمريكا وكيان يهود إلى فصل الملفات ومعالجة كل واحد على حدة.

 

ومن هنا يمكن فهم الهدوء المحتمل في باب المندب والبحر الأحمر. فليس المطلوب أمريكياً بالضرورة خوض حرب مفتوحة جديدة في المنطقة، بل إعادة تأمين الممرات البحرية وخطوط التجارة والطاقة التي تشكل شريان الاقتصاد العالمي. أما بعد تحقيق هذا الهدف، فقد تبدأ مرحلة أخرى عنوانها تقليص مصادر التهديد والنفوذ التي تهدد استقرار النظام الإقليمي الذي تسعى واشنطن إلى إعادة بنائه.

 

أما كيان يهود، فإن حساباته تبدو أكثر وضوحاً وأقل ميلاً إلى الحلول المؤقتة. فمنذ سنوات، وهو يعتبر أن الخطر الحقيقي لا يكمن في البرنامج النووي الإيراني وحده، بل في البنية الإقليمية التي بنتها طهران حولها. ولذلك فإن أي اتفاق لا يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف هذه البنية سيبقى، من وجهة نظر كيان يهود، اتفاقاً ناقصاً لا يحقق الأمن الاستراتيجي المطلوب.

 

ولهذا السبب قد يكون الهدوء في البحر الأحمر مقدمة لنشاط أكبر في ساحات أخرى. فاليمن لا يمثل مجرد أزمة محلية، بل موقعاً استراتيجياً يتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم. والعراق لا يمثل مجرد دولة مجاورة لإيران، بل عقدة جغرافية وسياسية تربط الخليج بالمشرق. أما لبنان فما زال يشكل الجبهة الأكثر حساسية بالنسبة لكيان يهود.

 

وفي هذا السياق، تبرز فرضية أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً من المواجهة المباشرة مع إيران إلى استهداف دوائر نفوذها الإقليمية، ليس عبر الحروب الشاملة بالضرورة، وإنما عبر الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية، وإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية في الدول التي تتمتع فيها إيران بنفوذ واسع.

 

أما دول الخليج، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تبدو من أكثر المستفيدين من أي تهدئة تضمن استقرار أسواق الطاقة وأمن الملاحة الدولية، وتخفف المخاطر الأمنية التي أثقلت كاهل المنطقة لعقود. ومن جهة أخرى، فإن هذه الدول تدرك أن أي اتفاق لا يعالج جذور الصراع قد يتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة تسمح بإعادة إنتاج الأزمة في وقت لاحق.

 

ولهذا فإن العواصم الخليجية تتعامل بحذر مع المشهد الجديد. فهي ترحب بالاستقرار وتدعم مسارات التهدئة، لكنها في الوقت نفسه تراقب بدقة مآلات الصراع على النفوذ الذي ما زال مستمراً تحت السطح، وتدرك أن إعادة رسم خرائط المنطقة لم تنته بعد.

 

إن ما يجري اليوم قد لا يكون نهاية مرحلة التوتر، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. فالقوى الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها، وكيان يهود يسعى إلى ترجمة مكاسبه العسكرية إلى واقع سياسي دائم، وإيران تحاول الحفاظ على ما تبقى من أوراق قوتها، بينما تسعى دول المنطقة إلى تجنب الانجرار نحو موجة جديدة من الفوضى.

 

لذلك فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كان باب المندب سيهدأ أم لا، بل ما إذا كان هذا الهدوء يمثل استقراراً حقيقياً أم مجرد فترة انتقالية تسبق إعادة فتح ملفات اليمن والعراق ولبنان ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة الشرق الأوسط من جديد.

 

ففي عالم السياسة، كثيراً ما يكون الصمت الذي يسبق العاصفة أكثر خطورة من العاصفة نفسها.

 

إن المخطط الأمريكي الصهيوني يسعى إلى تناول كل دولة على حدة، وفي أصله يحارب الإسلام ويحارب إمكانية ظهوره في منطقة الشرق الأوسط، حيث يمنع إمكانية ظهور أي مشروع سياسي إسلامي موحد وقوي وقادر على إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. فإن أهل منطقة الشرق الأوسط بعيدٌ عن أذهانهم التكاتف وبناء مشروع إسلامي موحد قادر على قلب الطاولة على كل محتل أو طامع أو خائن، لذلك وجب على أهل هذه المنطقة أن يتبنوا قضاياهم الإسلامية المصيرية، وأن يخلعوا حكامهم الخونة، ويرفضوا وجود الغرب على أراضيهم، ويعملوا مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية وعودة دولة الخلافة الراشدة التي وُعدنا بها إن شاء الله.

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع