الأربعاء، 26 ذو القعدة 1447هـ| 2026/05/13م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من يملك وعيك يملك مستقبلك

أين يقف شباب الأمة اليوم؟

 

ليست أزمة الأمة اليوم في قلة الإمكانات، ولا في ندرة الطاقات، ولا حتى في شدة أعدائها؛ فهذه كلها عوامل رافقت تاريخها في مراحل متعددة، ومع ذلك نهضت. إنما أزمتها الحقيقية تكمن في موضعٍ أخطر؛ في طريقة فهمها للواقع، وفي زاوية نظرها إليه.

 

لقد نشأ جيلٌ كامل وهو يتلقّى الواقع بوصفه "المسلّمة" التي لا تُناقش، والحدّ الذي يجب أن تُبنى عليه الطموحات. فصار معيار النجاح هو القدرة على التكيّف، لا القدرة على التغيير. ومن هنا بدأ الانحدار الحقيقي؛ حين تحوّل الإنسان من عنصرٍ فاعل في صناعة الواقع، إلى كائنٍ يسعى للانسجام معه، ولو كان واقعاً مختلّاً.

 

إن أخطر ما يُصيب العقول ليس الجهل، بل تطبيع الوعي مع الفساد؛ حين يرى الظلم فلا يستنكره، ويرى التبعية فلا يرفضها، ويرى التناقض فلا يتوقف عنده. عندها لا يعود السؤال: لماذا تراجعت الأمة؟ بل يصبح: كيف رضيت بهذا التراجع أصلاً؟

 

إن الشباب اليوم يقفون على مفترق طريقين: طريق التكيّف، حيث يُعاد تشكيل أفكارهم وفق ما يفرضه الواقع الدولي، وتُختزل طموحاتهم في حدود الفردية والنجاح الشخصي. وطريق الوعي، حيث يُعاد النظر في المسلّمات، وتُفكّك البُنى الفكرية التي صاغت هذا الواقع، ويُطرح سؤال التغيير من جذوره.

 

فالواقع الذي نعيشه ليس قدراً محتوماً، ولا نتيجةً طبيعيةً لتأخرٍ ذاتي، بل هو نتاج منظومة فكرية وسياسية محددة، فرضت مفاهيمها، وأعادت تعريف القيم، وحددت ما يجب أن يُطلب وما يجب أن يُترك.

ومن هنا، فإن معركة التغيير لا تبدأ في الشارع، بل في العقل. لا تبدأ بمواجهة الأنظمة، بل بمواجهة المفاهيم التي صنعت هذه الأنظمة ورسّخت وجودها.

 

إن إدراك هذه الحقيقة هو الفاصل بين جيلٍ يستهلك الأحداث، وجيلٍ يصنعها. فمن لم يفهم كيف يُدار العالم، سيبقى جزءاً من أدوات إدارته، ولو ظنّ أنه خارجها. ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بجرأة: هل نريد أن ننجح داخل هذا الواقع كما هو؟ أم نريد أن نعيد تشكيله وفق ما نعتقد أنه الحق؟

 

إن الفرق بين السؤالين ليس لغوياً، بل وجودي؛ الأول يُنتج أفراداً ناجحين في نظامٍ مختلّ، والثاني يُنتج أمةً تسعى لإقامة نظامٍ عادل.

 

وفي هذا السياق، لا يكفي أن يحمل الإنسان مشاعر صادقة، ولا أن يمتلك حماسةً متقدة، بل لا بد من امتلاك وعيٍ سياسيٍ عميق، يُدرك العلاقات الدولية، ويفهم طبيعة الصراع، ويُميز بين الفاعل الحقيقي والأداة. فالعالم اليوم لا يُدار بالعفوية، بل بمنظومات مصالح، وصراعات نفوذ، وتوازنات قوة. ومن لا يقرأ هذه المعادلة، سيبقى يفسّر الأحداث تفسيراً سطحياً، ويبني موقفه على الانفعال لا على الفهم.

 

إن الشباب الذين نراهم اليوم بين ضياعٍ وانكفاء، ليسوا عاجزين، بل لم يُعطَوا الفكرة التي تُحرّكهم في الاتجاه الصحيح. وحين تُقدَّم لهم الفكرة الواضحة، المرتبطة بعقيدتهم، والمتصلة بواقعهم، فإنهم يتحولون من عبءٍ على التغيير إلى وقوده الحقيقي. فإن السؤال ليس: متى يتغير الواقع؟ بل: متى نُدرك نحن أن تغييره مسؤوليتنا، وأن أول خطوة في ذلك، هي أن نرفض أن يكون الواقع هو الذي يُعرّف لنا الحق. ليست المشكلة أن نُدرك اختلال الواقع فحسب، بل أن نُحدّد موقعنا منه: هل نذوب فيه فنُعيد إنتاجه، أم نرتفع عنه بمقياس الحق فنُغيّره؟

 

إن الوعي الذي لا يُعيد ترتيب الأولويات، ولا يُولّد موقفاً واضحاً، يبقى معرفةً باردة لا تُحرّك ساكناً. فإن الوعي لا قيمة له إن بقي فكرةً في الذهن، ولا يتحوّل إلى قوةٍ مؤثرة إلا إذا حمله صاحبه وسار به في الواقع.

 

إن الأفكار العظيمة لا تُحفظ في الكتب، بل تُحمل في الصدور، وتُترجم إلى مواقف، وتتحوّل إلى عملٍ منظمٍ يهدف إلى التغيير، لا إلى التكيّف.

 

ولذلك، فإن المسؤولية اليوم لا تقف عند حدّ الفهم، بل تبدأ منه؛ أن يبحث الإنسان عن الطريق الذي يجعل هذا الوعي مشروعاً حياً، وعن العمل الذي يُخرجه من دائرة التأمل إلى ميدان التأثير. فلا يكفي أن ترى الخلل، ولا أن تُدرك الانحراف بل لا بد أن تكون جزءاً من عملية التغيير نفسها، على أساسٍ واضح، وفكرةٍ محددة، ومنهجٍ ثابت.

 

فالتاريخ لم يتغير يوماً بأفرادٍ متفرّقين، بل بتكتّلٍ واعٍ، يحمل فكرة، ويسير بها بثبات، حتى يفرضها واقعاً.

 

فلتكن نقطة الانطلاق من هنا: أن نرفض أن يكون الواقع هو المرجع، وأن نُعيد بناء نظرتنا على أساس ما نؤمن أنه حق، ثم نتحمّل مسؤولية السير به، مهما بدا الطريق طويلاً.

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

دارين الشنطي

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع