- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
البوصلة والانتماء والهوية:
بين إيران وأمريكا وسواها نموذجاً
(الجزء الأول)
منذ استهداف علي خامنئي والصف الأول من قيادات إيران واغتيالهم على يد أمريكا وكيان يهود، يتجدد السؤال حول ماهية المجتمع الذي نعيش فيه، أي عن البوصلة والهوية والانتماء. أي السؤال عن كل ما تعلق بفكر ومشاعر وأنظمة المجتمع أو الكتل البشرية، والمنهجية التي ينبغي اعتمادها لبناء الأفكار المتعلقة بالمجتمع فضلا عن المتعلقة بالفرد. فقد يوجد فارق بين تلك الأفكار السائدة في المجتمع وبين ما ينبغي أن تكون عليه. أما الأحداث التي تحصل في أي مجتمع فهي ترجمة عملية لسنة التدافع بين البشر، وبالتالي هي قد تعبر عن قناعات فئة من المجتمع مارست إرادتها. وهذا يعني أنها قد لا تعبر عن قناعات فئة أخرى. وفي بعض الأحوال قد تكون انعكاسا لما تحمله دول أخرى من قناعات إن استطاعت تلك الدول إقناع الناس أو جزء منهم بمبدئها ولو خارج حدودها المعهودة. وقد تكون الحروب إحدى تلك الوسائل التي تعتمدها الدول الخارجية لدفع فئات في مجتمع ما بالتنازل عن جزء من مبدئها إن لم نقل كله.
وهذا البحث يدفعنا إلى أن نذهب إلى أسس الخلاف وجوهره لا إلى تفاصيله المتشابكة، وإن كانت تتفرع عنه. فالبحث عن الهوية والبوصلة والانتماء يدفع المرء إلى أسئلة أساسية مفادها من أنا ومن نحن؟ لكن يظل هذا الطرح سطحيا ما لم يجب على أسئلة من أين جئت وإلى أين أسير في نهاية الطريق؟ فالاختلاف في النظرة إلى ما قبل الكون والإنسان والحياة وما بعدها هو الذي يدفع إلى نظرات مختلفة حول المجتمع، وفي الإجابة حول النظام الذي يصلح لمعالجة مشاكل أي مجتمع. أما الاكتفاء بالنظر إلى الحياة الدنيا دون الإجابة الصريحة على ما قبلها وما بعدها فلا يدل فقط على تفكير سطحي عند صاحبه بل على أنه ينطلق من الواقع الموجود لا لمعالجته بل للتكيف معه مهما مال وتغير ومهما ادعى غير ذلك. لأن الحكم على أي واقع من حيث وصفه بالحسن أو القبح لا بد أن يكون من مصدر غير الواقع. فالحكم على واقع معين في حياة المجتمع، أي العلاقات البشرية التي تسير، إن لم تكن توصف بالحسن أو القبح فلا تعدو إلا أن تكون وصفا لما يجري فيه، أي شرح الواقع ذاته سواء بسطحية أو عمق، أي بالتفصيل وبربطه بغيره من الوقائع. ومصطلح المجتمع لا يمكن فصله عن الأفكار والمشاعر والأنظمة؛ فهذه العناصر الثلاثة هي التي تربط الأفراد فيه وتجعله مجتمعا، ولو سادت فئة في المجتمع على غيرها في تحويل أفكارها ومشاعرها إلى أنظمة يحتكم إليها الجميع. ولا يشترط أن تبقى هذه الفئة على حالها فكل مجتمع تقع فيه سنة التدافع وفيه قابلية تحويل الأفكار والمشاعر والأنظمة لوضع مغاير ولو ببطء أو بسرعة.
وعند الحديث عن الأفكار يراعى أن ذلك لا يعني كل الأفكار بل تلك التي تتعلق بتكوين المجتمع، أي ربط الأفراد بعضهم ببعض، أي العلاقات البشرية والأسس التي تتكون على أساسها، ومنها تكوين الجماعات أو الروابط أو أي علاقة تنشأ جراء تلك العلاقة. والفكر على عمومه هو حكم على واقع.
والعلاقات بين الدول لا تخرج عن هذه القاعدة. فالموضوع لا ينحصر في دراسة ماهية مجتمع محدد بل كل المجتمعات وكيفية نشوء العلاقات بينها ومن ضمن ذلك الحروب. فالعلاقات وإن كانت تنشأ ابتداء لبناء مصالح بين الدول إلا أن الخلاف بين الدول لا يتكون نتيجة فقط لخلاف في المصالح بل في تعريف ما هو مصلحة؟ وهل المصلحة يمكن أن يصل إليها العقل بتجرد من غير مصدر آخر؟
وهذا يعود بنا إلى المربع الأول والسؤال عن "من أنا ومن نحن؟" لكن بنظرة مستنيرة أي إدراك ما علاقة ذلك بما كان قبل الإنسان والكون والحياة، لا علاقة أجوبة افتراضية بل علاقة إدراك ما يمكن الجزم به من حقائق باستخدام العقل: أي باستخدام المعلومات السابقة والبناء عليها بمعلومات إضافية وذلك باستخدام الإنسان حواسه بشكل صحيح لدراسة أي معلومة جديدة وانطباقها على واقعها (أو عدم انطباقها والعودة عنها وإهمالها) أي بوجود دماغ يصلح لربط المعلومات بعضها ببعض.
فالإجابة عن جواب سؤال "من أنا أو من نحن؟" بناء على ما أحمله اليوم من أوراق سفر لا تعدو عن أن تكون نظرة سطحية إلى واقع المجتمع. فالمجتمع الواحد عادة تتباين فيها الأفكار والمشاعر وإن كانت فيه الأنظمة واحدة نتيجة لسيادة فئة منه على سير المجتمع أو فئة خارجة عنه إن صح التعبير. والإجابة عليها بناء على النظام السائد هو خطأ كذلك لأن النظام السائد سواء تمثل بفكر أو بأشخاص الحكام قابلون للتغير. فكيف لهوية وانتماء وبوصلة أن تتغير؟ إلا في حالة واحدة وهي فصل الأجوبة عما قبل الحياة وما بعدها والاكتفاء بالواقع كيفما مال، ما يعد رضا بالمبدأ النفعي أو المصلحي، يميل حيث مالت الرياح. وهذا ما كانت عليه العرب قبل الإسلام؛ يصنعون إلهاً في النهار ويأكلونه ليلا! واليوم يتمثل هؤلاء بأصحاب المبدأ الرأسمالي في عالم إبستين، حيث يتحدثون ويتشدقون عن وجود الحريات في مبدئهم وخلوها في مبدأ الإسلام. وما حريتهم إلا حرية آلهتهم المزعومة بالقيام بالجرائم بحق البشرية التي لا يختلف أحد في تعريفها كجرائم. ناهيك عن أن حريتهم لا مكان فيها لشريعة الإسلام.
أما الإسلام فلم يزعم أنه مبدأ يدعو يوما إلى حريات، بل عبودية لله يتحرر فيها الإنسان من عبوديته لغيره من البشر والأهواء وتقر بعبوديته لخالقه.
أما مفاهيم "الصديق والعدو" فهي في الحقيقة مفاهيم خارجة عن الواقع ولا يمكن للواقع أن يطلق مثل تلك الأحكام لأن الواقع السياسي اليوم هو عبارة عن تاريخ يكتب غدا في العلاقات البشرية. وحتى الدساتير الوضعية فهي عندما تصف جهة ما بأنها عدوة فمرد ذلك ليس للواقع بل لنظرة خارجة عنه. فوصف كيان يهود مثلا بأنه عدو أو صديق لا يمكن أن يكون مصدره الواقع بل شيء خارجه، وهو النظرة إلى الواقع من زاوية محددة. فالذي يعيش داخل كيان يهود ويخدم في جيشه يغلب عليه أنه ينظر للكيان بوصفه صديقا بينما ابن الضفة الغربية يراه سرطانا للاجتثاث.
فأولئك الذين يدينون بالرابطة الوطنية وأنها تصلح للربط بين البشر عادة لا يجيبون عن سؤال ما قبل الحياة الدنيا وما بعدها، وأحيانا يتفادونها بل أحيانا يضعون هذا السؤال في معرض "الفتن التي يجب اجتنابها!" لأن التفكير السطحي دفعهم لاعتبار القناعات أو التعمق بالمعلومات باباً للتخاصم بين البشر، وهم بالمقابل يريدون تفادي غضب أو سخط غيرهم. ولكن أليس المجتمع أصلا مكوناً من القناعات التي يؤمن بها ذلك المجتمع أو الفرد؟ أليست كل قناعة قابلة للخصومة؟ ولماذا لم يعتبر ذلك الفريق أن مخالفتهم لأصحاب الفكر الإسلامي باباً للتخاصم والخلاف؟ لماذا لم يتنازلوا عن فكرتهم لأصحاب الفكر الإسلامي؟ فكيف يتنازل شخص أو تتنازل فئة عن فكرتها لإرضاء آخرين في حين لم يقبلوا بأن يتنازلوا هم عما لديهم لصالح أصحاب الفكر الإسلامي؟
ومن ناحية أخرى ألم ينتبه أغلب من يحمل فكرة الرابطة الوطنية أنها لا تحمل في طياتها أية معالجات للمجتمع من حيث سير العلاقات داخليا أي في علاقات الأفراد داخل ذلك المجتمع، بل مصدر القوانين فيه مرده مصادر أخرى سواء بشر معينين ومحددين جعلوا التشريع لأنفسهم بدل أن يكون للخالق، فيما يسمى اليوم مجالس النواب، أو في حالات معينة مرده إلى الإسلام كما في النظام الاجتماعي أي القوانين التي تضبط العلاقات بين الرجال والنساء وما تفرع عن ذلك نتيجة النكاح والنسل. فلم يكن للرابطة الوطنية دور في تشكيل الأنظمة داخليا سواء تعلقت بطبيعة نظام الحكم أو النظام الاجتماعي أو النظام الاقتصادي... حتى المشرعون في مجلس النواب لا دور للرابطة الوطنية في تكوينه لأن طبيعة نظام الحكم لم يكن للتراب. وما قررته الرابطة الوطنية هو مجرد اعتبار واقع العداوة على أساس المس بالحدود السياسية للدولة التي يعيش فيها المرء أو تعديلها، بالإضافة إلى إضافة بُعد عنصري، وهو أحيانا اعتبار كل من خارج حدود الدولة "عدواً" أو "ليس منا" على أقل تقدير، وليس مجرد اعتبار من يعتدي على الحدود السياسية من خارج البلاد بغزو البلاد عسكريا من خارجها. فماذا يقول أصحاب هذه الرابطة عن الدول التي تكونت حديثا مثل جنوب السودان؟ كيف يكون ابن جنوب السودان اليوم عدواً وهو كان بالأمس جزءاً من دولة السودان؟! فهل فعلا ابن الجزيرة العربية والسوري أو الإيراني عدو للبناني أو الإيراني؟ وهل هذه المصطلحات تعبر عن هويات حقيقية يبنى عليها ولاء وانتماء وهوية وبوصلة؟ فهل حقا مثلا تشكل سوريا أو لبنان هوية وانتماء وبوصلة سواء افترقتا أم توحدتا؟ أم أن هذا يعتمد على أمر آخر كالتدقيق في أسس التوحد أو الافتراق الفكرية؟ وهل من ينتقل ليعيش في دولة مختلفة كل أربع سنين لديه هوية وانتماء وبوصلة مختلفة لمجرد الانتقال بينها؟ وهل هذه هي الأسس التي جعلت من كيان يهود عدوا، أم أمر آخر؟
وهذا ما يعود بنا إلى السؤال الأول عما قبل الحياة الدنيا وما بعدها بشكل أو آخر لأنه يتمخض عنه سؤال هل فعلا أنتمي إلى تراب معين دون غيره أو إلى كيان سياسي أو آخر؟ هل أنتمي إليه بمجرد ولادتي في بلاد تسودها أفكار ومشاعر وأنظمة معينة؟ ما يجعل السؤال عما قبل الحياة وما بعدها يستحق الإجابة لأنه سيحدد مفاهيم الانتماء والهوية والبوصلة ويتفرع عنه مفاهيم الولاء والبراء أو الصديق والعدو وكل ما تعلق بهذه الحياة الدنيا بشرط أن يكون الجواب صحيحا متجردا من مفاهيم سابقة ومكتفيا بالحقائق التي يتوصل إليها بالعقل.
أما التجرد الخالص فلا يمكنني أن أزعم بأني أملكه، ولكنني بمحاولتي هذه أقول إن الإسلام قد أجاب على كل ما تعلق بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها، جوابا مقنعا وجوابا مرتبطا بهذه الحياة الدنيا ارتباطا مباشرا من خلال ربط أجوبته بأفعال الإنسان. فوضع المعالجات وأطلق الأحكام على أفعال الإنسان بالقبح والحسن وغير ذلك، فأضاف بعدا آخر إلى معارف الإنسان المكتسبة.
قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
فالإنسان بدون الوحي عاجز عن إطلاق أي حكم على الواقع سوى شرح ما يحصل فيه دون الخوض في التحسين والتقبيح وتحديد العقوبة الدنيوية والأخروية المترتبة على ذلك. ولو ترك هذا الأمر للإنسان لتنازع الناس واقتتلوا ولما اتفقوا عليه لأنه لا يوجد أساس ثابت لوضع تفاصيله من الإنسان وحده. وهذا حالهم في الدنيا؛ اقتتال على أن يكون التشريع لله أو أن بيد فئة من البشر تتحكم به لصالح أهوائها! فالقائلون بأن يكون التشريع للبشر لم يتفقوا على تفاصيل عقوبة واحدة وتعريف واضح لمعنى جريمة معينة، فهؤلاء طغوا بظنهم أنهم أغنياء عن الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾
أما علاقة الانتماء والبوصلة والهوية بموضوع إيران وأمريكا وسواهما كنموذج، فهو بحث عن علاقات بين دول وحكم الإسلام فيها. نعم إن إيران لا تطبق نظام الإسلام اليوم لكن هذا لا يعني أن الإسلام لا يحث على ما تقوم به من قتال لأمريكا وكيان يهود بل العكس، كما يحث كل قوة عائدة للأمة بفعل مماثل لطرد نفوذ دول الكفر السياسي والعسكري من بلاد المسلمين. فما تقوم به إيران من محاولات لطرد نفوذ أمريكا هو إظهار قوة المسلمين المهولة وهذا فقط في دولة واحدة من بلاد المسلمين وإثبات أن من يحمي كيان يهود ليس أمريكا وبريطانيا فقط بل حكام العرب الخونة المحيطون بها سواء في الشام أو الأردن أو مصر. هذا بالرغم من سير إيران في فلك أمريكا سابقا في احتلالها العراق وأفغانستان وخوضها في دماء المسلمين في الشام. ولن يشفع لها استمرارها في تبني منهج طائفي مع الأمة الإسلامية وسيرها في "حلف الأقليات" بل لن يحميها شيء من الأمة الإسلامية إلا اذا تراجعت عن انتهاج المنحى الطائفي وتبنت الحكم الشرعي في كل قوانينها وسلوكياتها بدءا بتبني نظام الخلافة بدل النظام الجمهوري وانتهاء برميها لاصطفافات الشيعي مقابل السني في القمامة ومعاقبتها كل من شارك في الولوغ بدماء المسلمين في الشام وغيرها عقوبة شفافة يحصل بها الاقتصاص من الظالمين لأولياء الدم، وإخراج المظلومين من المسلمين وغيرهم من السجون ممن تم تلفيق تهم باطلة وظالمة لهم لأسباب طائفية بحتة لا تمت للشرع بصلة. ولا يعني ذلك ترك تبني مذهب معين في الأحكام الشرعية بل يعني الاندماج الحقيقي بالأمة الإسلامية، لا شكليا باحتفالات سنوية بل بجعل الإسلام هو المصدر الوحيد للأحكام الشرعية ومنه وحدة الدولة الإسلامية. وعدم حصر الإسلام في مذهب معين بل ترك معتنقيه يتبنون المذهب الذي يقلدونه إلا ما تبناه الخليفة لكل المسلمين في الدنيا من أحكام ليسير عليها الجميع في الأحكام العامة المتعلقة بعلاقات البشر بعضهم ببعض. وعلى إيران وغيرها من الدول التفريق الواضح بين الإسلام والمكونات البشرية حيث إن مصطلحات الشيعي والسني اليوم لا تدل على الحكم الشرعي ولا طريقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا سنة محمد رسول الله ﷺ أي أفعاله وأقواله وتقريره، بل على قطيع من البشر يعيشون في أماكن جغرافية معينة. وشتان بين الأمرين!
أما واجب المسلمين جميعا فهو السير بخطا حثيثة لإيجاد نظام الإسلام في البلاد الإسلامية ونبذ الطائفية والوطنية كذلك وإيجاد دولة الخلافة بعد غيابها قرنا من الزمان عن المشهد السياسي وتوحيد البلاد الإسلامية تحت لوائها وحمل الدعوة الإسلامية عبرها إلى العالم أجمع. والعمل على أن تكون الدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيل الله هي أول أعمال هذه الدولة الفتية والثابتة بدل أن تكون هذه الأعمال فردية، وللتمكن من طرد أو سحق كل القوات المحتلة لبلاد المسلمين سواء في الأرض المباركة أو أطراف الصين أو كشمير أو الصومال أو القواعد العسكرية الأجنبية في بلاد المسلمين. قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.
فالإجابة الصحيحة عن الحياة الدنيا وما قبلها وما بعدها قد تقرر بها أن هناك خالقاً خلق الكون وأرسل رسالة الإسلام للبشرية جمعاء عن طريق النبي محمد ﷺ. وهذه الرسالة أمانة في عنق الأمة الإسلامية، وهي تشمل معالجات كاملة
ومفصلة لكل المشاكل التي تنشأ في علاقات البشر بخالقهم وبأنفسهم وبعلاقاتهم بغيرهم من البشر. ما يعني أن الإجابة قد قررت أن "نحن" التي تعود إلى الهوية والبوصلة والانتماء هي في الحقيقة أننا أمة إسلامية واحدة بالمعنى الحقيقي لا المعنى الشعوري فقط، ما يعني أنه يجب أن يكون للمسلمين دولة واحدة يحكمها خليفة واحد في كل المعمورة. أما "نحن" في الأمة الإسلامية فهي ليست رابطة عنصرية لأنها دعوة لدخول البشرية كلها فيها لا دعوة منغلقة على أتباعها. فالرابطة التي يدعو الإسلام الناس لاعتناقها هي الرابطة المبدئية التي ينبثق عنها نظام وليس الرابطة الوطنية. وهي رابطة مبنية على العقل البشري الذي يشترك فيه كل إنسان عاقل وسوي، كما تتفق مع فطرة الإنسان وغرائزه لأنها لا تكبتها بل تنظمها. إذن المقصود بالمبدأ هنا ليس ما يتعارف عليه الناس عادة من المواقف أو الموقف الذي تنازل عنه، وإن كان الموقف الحازم هو من سمات من يحمل الرابطة المبدئية ولا يتنازل عنها، أي لا يتنازل عن عقيدة الإسلام مقرونا بنظامه المتكامل لحكم البشرية أي شريعته من ألفها إلى يائها. فالمبدأ هو العقيدة الإسلامية مع كل الأنظمة التشريعية التي انبثقت عنه لحمايته وتنفيذه وحمله رسالة إلى العالم. وأما العدو في نظر هذه الرابطة فهو وإن كان الكفر عموما فيعود ذلك إلى وصف واقع الكفر العقدي وليس لهدر دم صاحبه. إلا ما استثناه الإسلام بسبب اعتدائه على المسلمين ومقدساتهم بالفعل وخاصة دول الكفر التي لا تفتأ تقتل بالمسلمين وتنال من نظامهم وتضيق عليهم حتى في حرياتهم الشخصية المزعومة أو تفتح قواعد عسكرية في بلادهم لاحتلالهم مباشرة. أما الغالبية العظمى من البشر ولو كانوا غير مسلمين فهم وعاء الدعوة الإسلامية أي علاقتنا بهم هي علاقة داعٍ بمدعوّ، أي علاقتنا هي حملنا للدعوة إليهم حتى يعتنقوها ويحملوها معنا لنخرج الناس من الظلمات إلى النور لا بوصفهم الفردي فقط بل كجماعات وكأمة ومستقبلا كدولة تحمل الدعوة إلى الناس والدول أفواجا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نزار جمال



