- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
مضيق هرمز السلاح الاستراتيجي الضائع
وعين على مضايقنا وأسلحتنا الاستراتيجية الضائعة!
كشفت حرب أمريكا على إيران حقيقة من الحقائق التي تكشفها الحروب، باعتبار الحرب هي لحظة الحقيقة العارية، وهذه الحقيقة هي حقيقة مضيق هرمز كممر حيوي وقفل خانق قاتل، وكشفت الحرب أنه يكاد يكون أقوى سلاح استراتيجي في يد إيران الساعة!
يشكل مضيق هرمز أحد أهم وأخطر الممرات المائية الحيوية والاستراتيجية لتجارة الطاقة، وتكسبه أبعاده الجغرافية خطورة استراتيجية قصوى، فممره الملاحي الفعلي لحركة السفن جد ضيق يصل بالكاد إلى 3 كيلومترات في كل اتجاه، ما يجعل منه نقطة اختناق شديدة الحساسية وقفلا شديد الإحكام، ويسمح بالسيطرة التامة عليه لصاحب الرؤية المبدئية والقرار السياسي السيادي، ويزيد من خطورته الاستراتيجية انعدام البدائل له.
فعبر مضيق هرمز يمر أكثر من ثلث النفط الخام المنقول بحراً لأنحاء العالم 38%، إلى جانب 29% من غاز البترول المسال، و19% من الغاز الطبيعي المسال، و19% من المنتجات النفطية المكررة، و13% من تجارة المواد الكيميائية بما في ذلك الأسمدة، فثلث شحنات الأسمدة العالمية تمر عبره، عطفا على خامات الألمنيوم والحاويات والبضائع، "يمر عبر المضيق نحو خمس الطلب العالمي تقريبا من النفط قادما من السعودية والإمارات والعراق وإيران والكويت، إلى جانب ناقلات تحمل الديزل ووقود الطائرات والبنزين وخامات ومنتجات أخرى" (رويترز).
الأمر الذي يجعل من مضيق هرمز رئة الاقتصاد الرأسمالي وشريان الحياة للصناعة الرأسمالية عبر سلاسل توريد الطاقة لتشغيل مصانعها، وكذلك الأسمدة اللازمة للزراعة الرأسمالية التسويقية، فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بل هو حقيقة سلاح ردع استراتيجي يكاد يوازي أو يفوق سلاح الردع النووي، لأنه يصيب الاقتصاد الرأسمالي في مقتل وتأثيره يطال صلب المنظومة الرأسمالية؛ اقتصادها ومعها الدولة والمجتمع في الغرب.
يمر من مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، وإغلاقه تسبب في زيادة تكاليف الشحن والتأمين وارتفاع أسعار النفط وأثار مخاوف من تداعيات اقتصادية عالمية، ما دفع برؤساء شركات النفط الأمريكية الكبرى "إكسون موبيل وشيفرون وكونوكو فيليبس" لتحذير إدارة ترامب من أن أزمة الطاقة ستتفاقم مع استمرار إغلاق مضيق هرمز بحسب إفادة صحيفة وول ستريت جورنال، ونقلت الصحيفة كذلك عن مصادر مطلعة أن رؤساء الشركات الثلاث شاركوا في اجتماع في البيت الأبيض، وأجروا سلسلة محادثات مع وزير الطاقة ووزير الداخلية لتدارس تبعات إغلاق مضيق هرمز.
فمضيق هرمز هو العقدة والورطة الكبرى لأرعن أمريكا ترامب، الأمر الذي حطم حقيقة عنجهيته وصلفه وليس ضرب قواعده ومنشآت عساكره في الخليج، فإغلاق المضيق هو الذي أرغمه توسل الحل من الصين ودول أوروبا والحلف الأطلسي لفك معضلة وعقدة إغلاق مضيف هرمز، فقد طالب ترامب حلفاءه في الناتو وأوروبا بـالمشاركة في تحالف عسكري لفتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه وذلك منتصف آذار/مارس 2026، وذكر ترامب بالاسم الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا، فقد صرح ترامب يوم الأحد أنه "طالب حوالي 7 دول تعتمد على نفط الشرق الأوسط بالانضمام إلى تحالف لفرض الأمن في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية"، وتحفّظ الكل على طلبه وهو حقيقة رفض مبطن. حتى إن هيئة تحرير صحيفة واشنطن بوست دعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها في الصراع الدائر مع إيران، مقترحة خيار "إعلان النصر والانسحاب" كسبيل وحيد لكسر الجمود في مضيق هرمز.
فمقتل الغرب ليس في تحطيم جيوشه ومعداته، ولكن مقتل الغرب الرأسمالي هو في تحطيم اقتصاده الرأسمالي، فالاقتصاد الرأسمالي هو قلب المبدأ الرأسمالي والمحرك الفاعل والمؤثر في المنظومة السياسية والرؤية الاستراتيجية للغرب، فقلب ورئة الغرب هو اقتصاده الرأسمالي، وجوهر الرأسمالية هي التجارة العابرة للقارات فهي مصدر الربح والثروة الرأسمالية، ومقتلها هو في شل حركتها، والمضايق هي سلاح الردع الاستراتيجي للجم الغرب والتصدي لهمجيته الصليبية ووحشيته الاستعمارية متى كانت الدولة صاحبة رؤية مبدئية وقرار سياسي سيادي، وكل ذلك انتفى في جمهورية إيران التي تتخذ من المضيق أداة للمناورة والمفاوضة والمقايضة وليس سلاحا للردع يمنع الاعتداء أصلا.
وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية للمضايق كممرات حيوية بوصفها أقفالا قاتلة وأسلحة استراتيجية عالية التدمير، فالمضايق المائية هي شرايين التجارة الرأسمالية العابرة للقارات (نفط، غاز، معادن، أسلحة، خامات، سلع وبضائع...) بل هي شرايين الحياة للاقتصاد الرأسمالي وشرايين حياة دوله ومجتمعاته. فالسيطرة عليها والتحكم فيها هو تحكم فعلي شديد في اقتصاد الغرب الرأسمالي وهو نفوذ وتأثير ضاغط على الغرب دولا ومجتمعات متى وجدت الدولة المبدئية والقرار السياسي السيادي النابع من رؤيتها المبدئية، علما أن المضيق جزء من سيادتها ومجالها الحيوي.
المفارقة الدامية أن مضيق هرمز هو جزء من الجغرافية الإسلامية وخطورته الاستراتيجية كانت لتكون سلاحا استراتيجيا لخدمة الإسلام وقضايا أمته وليس مجرد أداة ضغط ومناورة ومقايضة وتوظيف زمن الحرب لمصالح وطنية ضيقة، وتشتد المفارقة قساوة متى عُلِم أن أخطر مضايق وأقفال الأرض تنتمي للبلاد الإسلامية وهي جزء من جغرافيتها الحيوية؛ فهناك مضيق ملقا بين ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية ويربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ عبر بحر الصين الجنوبي، ويعتبر شريان الطاقة لدول آسيا واقتصاداتها الكبرى (الصين، اليابان، كوريا الجنوبية)، ما يعني أن السيطرة والتحكم فيه يلزم منه التأثير الفعال في دول آسيا الكبرى. ومضيق البوسفور الممر المائي في قلب مدينة إسطنبول وخطورته الاستراتيجية كونه الممر المائي الوحيد الذي يربط آسيا بأوروبا ويربط بحارا مغلقة بأخرى مفتوحة، ويشكل المنفذ الوحيد لدول البحر الأسود وهو بمثابة الرئة التي تتنفس منها دول مثل (روسيا، أوكرانيا، جورجيا، رومانيا، بلغاريا) ويُمكِّنُها من الوصول إلى المياه الدافئة بالبحر الأبيض المتوسط والمحيطات العالمية، اختصارا هو الورقة الاستراتيجية الفعالة بيد صاحب القرار السياسي السيادي للتأثير في روسيا ودول حوض البحر الأسود وجزءا حيويا خطرا من أوراسيا. ثم مضيق باب المندب بين اليمن وجيبوتي وشرق أفريقيا ويربط آسيا بأفريقيا، كما يعتبر البوابة الجنوبية لقناة السويس بمصر، ويعتبر شريانا حيويا للتجارة الرأسمالية العالمية بمعدل 10% إلى 12% من حجم التجارة العالمية سنويا، والسيطرة والتحكم فيه يعني التأثير الفعال في حركة التجارة العالمية والسياسات المرتبطة بها، وهو ما ظهر جليا مع حرب غزة ونيرانها التي طالت البحر الأحمر ومضيق باب المندب وأغلقت معه البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما اضطر الشركات الرأسمالية الكبرى للشحن البحري تحويل مسارها عبر رأس الرجاء الصالح جنوب أفريقيا وهي مسافة أطول بكثير ما ضاعف تكاليف الشحن والتأمين...
هذه بعض مضايقنا الاستراتيجية الضائعة وأهميتها الجيوستراتيجية المفقودة، فهي بحق مفاتيح العالم وأقفاله وفوق ذلك هي جزء من أرض الإسلام وجغرافيته الحيوية.
هذه الأهمية الحيوية والخطورة الاستراتيجية كشفتها الحرب الدائرة الآن ضد إيران، فبمجرد ما تم التلويح بإغلاق مضيق هرمز حتى أعلنت شركات تأمين الشحن البحري باتفاق وإجماع بينها على سحب التغطية والتأمين للسفن والناقلات العابرة للمضيق بسبب مخاطر الحرب، فقد ذكرت وكالة رويترز أن كبريات شركات التأمين من بينها جارد وسكولد ونورث ستاندرد ونادي لندن للحماية والتعويض وذا أمريكان كلوب، في إشعارات بتاريخ أول آذار/مارس على مواقعها الإلكترونية أن الإلغاءات يسري مفعولها اعتبارا من الخامس من آذار/مارس، كما علّقت شركات شحن الحاويات الكبرى بما فيها ميرسك وهاباج لويد عمليات النقل عبر مضيق هرمز. ما شل حركة ناقلات النفط وتسبب في تعطيل إمدادات الطاقة والخامات وشل الحركة التجارية عبر المضيق، وكان الأمر ضاغطا على حكومات أوروبا ما دفع بها للاستجابة لرأسماليتها وأسواقها الرأسمالية في طلب التهدئة وعدم الانخراط في حرب ترامب وتحالفه، فالكلفة الرأسمالية لإغلاق مضيق هرمز جد عالية، والعرف الرأسمالي الغربي المأثور أن "الرأسمال جبان".
ما يكشف حقيقة أوراق القوة الاستراتيجية الضائعة التي يملكها المسلمون ويستغلها عدوهم الغرب الكافر ويوظفها ضدهم، جراء فراغ الدولة الذي يعاني منه المسلمون. ففراغ الدولة الذي تعاني منه الأمة والجغرافية الإسلامية هو الثقب الأسود الجيوستراتيجي والاستراتيجي الذي ضاعت معه طاقات الأمة الحية وقواها الحيوية وأوراق قوتها الاستراتيجية، بل تحولت أوراق قوتها بفراغ الدولة التي تنتزع هذه الأرواق وتعيدها لأصلها الإسلامي، إلى نقمة وشر وسلاح يستخدم ضدنا وليس لنا.
هي مضايقنا وأسلحتنا الاستراتيجية الضائعة في زمن ضياع دولة الإسلام، ولن تعود لنا إلا بهدم هذا الواقع الاستعماري وإقامة دولة الإسلام على أنقاضه.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مُناجي محمد



