- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الخصم يدفع المتشددين إلى السلطة!
في الصراعات السياسية الكبرى لا تكون المواجهة دائماً عسكرية ومباشرة. كثيراً ما تلجأ القوى المتصارعة إلى أساليب أكثر تعقيداً، أحدها دفع الخصم لأكثر خصومه تشددا إلى السلطة.
هذه الاستراتيجية تقوم على فكرة بسيطة: عندما يصل التيار الأكثر تطرفاً إلى قيادة الدولة، فإنه غالباً ما يقودها إلى مسار من الصدمات المتتالية والعزلة السياسية، ما يسرّع إنهاكها من الداخل.
في البداية يبدو صعود التيار المتشدد وكأنه انتصار داخل الحركة؛ إذ عادة ما يمتلك خطاباً حاداً وشعبية في أوساط القواعد الأكثر حماسة. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا الخطاب إلى سياسة حكم أو إدارة دولة. حينها تتقلص مساحة التوافق السياسي، وتصبح القرارات أكثر اندفاعاً، خاصة عند غياب المشروع والمبدأ الثابت. وعندها تتحول الدولة إلى كيان يعيش في حالة مواجهة دائمة مع محيطه. ومع مرور الوقت، ومع ازدياد الضغوط والتضييق، تتحول هذه المواجهة إلى عبء سياسي واقتصادي وأمني يصعب تحمله. عندها يدخل صانع القرار في دهاليز السياسة دون وعي مسبق، فيصبح مقيد القرار بين خيارين كلاهما مرّ، فينساق ضمن هذه الدهاليز إلى غير ما يصبو إليه، مع إغفال حالات العمالة والخيانة.
ولهذا نجد في كثير من التجارب السياسية أن سقوط المشاريع الكبرى لم يحدث فقط بسبب قوة الخصوم، بل أيضاً بسبب اختياراتها الداخلية عندما صعدت أكثر التيارات تشدداً إلى القيادة. في هذه اللحظة يصبح المتشدد - من حيث يدري أو لا يدري - أداة لتسريع إنهاك المشروع الذي يدافع عنه. فبدلاً من توسيع القاعدة السياسية للحركة يضيّقها، وبدلاً من تخفيف الصراعات يضاعفها.
وإذا كانت نظرية دفع الخصم المتشدد نحو السلطة حاضرة في التحليل السياسي، فإن بعض التجارب في المنطقة تُطرح أحياناً كمثال على هذا المسار.
وهنا سأعرض ثلاث حالات يمكن أن ينطبق عليها هذا التحليل، بعيداً عن اتهامات العمالة أو الخيانة.
حركة حماس
تُعد حركة حماس واحدة من أكثر التجارب تعقيداً في تاريخ الجماعات المسلحة في المنطقة. فقد بدأت الحركة كجزء من المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال اليهودي؛ إذ نشأت عام 1987 في سياق شعبي واسع خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى. في تلك المرحلة كان خطابها يقوم على المقاومة المسلحة والهوية الإسلامية، وقد استطاعت أن تكسب قاعدة شعبية واسعة في فلسطين.
لكن التحول الكبير حدث بعد مشاركتها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، والتي فازت بها بشكل مفاجئ. هذا الفوز أدخلها في صراع سياسي داخلي مع حركة فتح، وانتهى بسيطرتها على قطاع غزة عام 2007. ومنذ تلك اللحظة تغيرت طبيعتها جذرياً؛ إذ تحولت من حركة مقاومة إلى سلطة حاكمة. وبالتالي تغيرت طبيعة التحديات التي تواجهها. فبدل التركيز على العمل العسكري فقط، أصبحت مسؤولة عن إدارة اقتصاد محاصر، وتوفير الخدمات للناس، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، والتعامل مع الضغوط الدولية... أي أنها أصبحت تعمل ضمن ظروف شديدة القسوة.
وهنا ظهرت معضلة استراتيجية واضحة: هل تبقى حركة مقاومة تقاتل باستمرار؟ أم تتحول إلى سلطة تسعى إلى الاستقرار؟ في هذه الحالة - وبشكل غير مباشر - خدم هذا الواقع خصومها؛ إذ يعتمد الخصم دائماً على وجودها في الحكم لتبرير استمرار الحصار، وإضعاف البنية الاقتصادية لغزة، وتقليص الدعم الدولي للقضية الفلسطينية... وغيرها.
فالحركة التي نشأت أساساً لمقاومة الاحتلال أصبحت تدير منطقة محاصرة، وهذا أدى إلى ظهور عدة عوامل، منها: تضخم الأجهزة الأمنية داخل غزة، وتراجع الحيز السياسي الداخلي، وتزايد التوتر بين متطلبات الحكم ومتطلبات المقاومة. وهنا نلاحظ أن الحركة حين تتحول إلى سلطة تبدأ في اتخاذ قرارات قد تتعارض مع طبيعة المشروع الذي أنشأها.
والسؤال هنا: هل كانت حماس ضحية استراتيجية دفع نحو السلطة؟
والواقع أمامنا اليوم قد يجيب عن هذا السؤال بقوة، مع التأكيد على تقديرنا لتضحياتها.
هيئة تحرير الشام
انتقلت هيئة تحرير الشام من تنظيم نشأ في بيئة جهادية خلال سنوات الحرب السورية إلى كيان مرّ بعدة مراحل من إعادة تشكيل نفسه سياسياً وتنظيمياً. ومع مرور الوقت أصبحت القوة العسكرية الأبرز في محافظة إدلب، ما دفعها إلى إنشاء مؤسسات مدنية وإدارية لإدارة المنطقة.
هذا الانتقال من تنظيم مقاتل إلى سلطة محلية خلق تحديات معقدة، منها إدارة مجتمع متنوع سياسياً وعرقياً، والتعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية، وضبط الفصائل المسلحة الأخرى داخل المنطقة.
ومع تطور الأحداث، وانتقالها إلى موقع السلطة بعد سقوط النظام السابق، وجدت نفسها مضطرة إلى اتخاذ قرارات براغماتية قد تتعارض مع خطابها الأول.
وهنا تظهر الإشكالية الأساسية: حين يتحول التيار الأكثر تشدداً إلى سلطة، فإنه يبدأ تدريجياً في تفكيك البيئة الثورية التي نشأ منها، سواء عبر الصراعات الداخلية، أو عبر محاولات إعادة ضبط المجتمع تحت سلطة جديدة.
والحال في سوريا اليوم أمامنا، وهو حال يدمي القلب.
حالة إيران
أما في حالة إيران، فإن النظام الذي تأسس عام 1979 قام على مزيج معقد من المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية. ولعقود طويلة كان علي خامنئي يمثل مركز التوازن بين هذه القوى، وخاصة في علاقته مع الحرس الثوري.
ومع انتقال الحكم إلى مجتبى خامنئي، وهو ما لم يكن ليحدث إلا في ظروف استثنائية، فإننا نكون أمام حالة أخرى يمكن قراءتها ضمن فكرة دفع المتشدد نحو السلطة. فمجتبى خامنئي يُنظر إليه على أنه قريب من الحرس الثوري، الأمر الذي قد يعزز نفوذ هذا التيار داخل بنية النظام.
هذا التحول قد يدفع إلى تبني سياسات أكثر صدامية على المستوى الإقليمي والدولي، خاصة في ظل التوترات المستمرة. لكن المشكلة الأعمق لا تتعلق فقط بالسياسة الخارجية، بل أيضاً بالتحديات الداخلية التي تواجهها البلاد، مثل: الضغوط الاقتصادية، العقوبات الدولية، التوترات الشعبية، الصراع بين التيارات المحافظة والإصلاحية والمتشددة.
فالنظام الذي يعتمد بشكل متزايد على القوة الأمنية والعسكرية للحفاظ على استقراره قد يجد نفسه، مع مرور الوقت، في مواجهة أزمات أعمق؛ لأن التشدد الذي يهدف إلى حماية النظام قد يتحول تدريجياً إلى أحد عوامل إنهاكه.
في كثير من الصراعات لا تكون الهزيمة نتيجة ضربة خارجية واحدة، بل نتيجة مسار طويل تتراكم فيه الأخطاء والاختيارات. وعندما يصل التيار الأكثر تشدداً (وهو لا يحمل مشروعاً مبدئياً واضحاً) إلى القيادة، يظن أنه يحمي المشروع، بينما قد يكون في الحقيقة يدفعه نحو أكثر الطرق صداماً وعزلة.
لذلك أحياناً لا يحتاج الخصم إلى إسقاط مشروعك بنفسه؛ يكفيه أن يترك أكثر تياراتك تشدداً يقوده حتى النهاية.
ولو أنهم اتبعوا منهج رسول الله ﷺ والتزموا بالحكم الشرعي لكانت الكلفة أقل بكثير مما ندفعه اليوم. والحمد لله أن هناك حزباً كحزب التحرير قد أعد مشروعا مستنبطا من الكتاب والسنة والتزم طريقة رسول الله ﷺ لاستعادة حكم الإسلام وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
والنصر قادم بإذن الله رغم كيد الكائدين ومكر الماكرين. قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



