- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة الثامنة عشرة
شباب مصر: طاقة معطّلة أم نواة التغيير الحقيقي؟
جيل الشباب في مصر اليوم لا يعاني من نقص في القدرة، بل من انسداد في المسار. طاقات كبيرة، تعليم واسع، اطلاع على العالم، وأفكار تتجاوز الحدود. لكن حين يصطدم الشاب بواقع سياسي واقتصادي مغلق، يبدأ السؤال الثقيل: إلى أين أمضي؟ ما هو دوري الحقيقي؟ هل أنا مجرد رقم في سوق عمل مزدحم، أم جزء من أمة لها مشروع؟
لا يُنظر إلى أزمة الشباب على أنها أزمة توظيف، بل أزمة نظام كامل. حين يُدار الاقتصاد وفق النظام الرأسمالي القائم على الربا والاحتكار والتبعية، تصبح فرص العمل الحقيقية محدودة، ويُختزل الشاب في وظيفة هامشية أو بطالة مقنّعة. المشكلة ليست في مهارات الشباب، بل في بنية اقتصادية لا تجعل إشباع الحاجات الأساسية لكل فرد أولوية، ولا تعتبر تشغيل الناس مسؤولية شرعية على الدولة.
الخريج الذي أمضى سنوات في الدراسة ثم يجد نفسه أمام رواتب لا تكفي ضروريات العيش، ليس فاشلاً. هو ضحية منظومة تجعل خدمة الدين أولوية على رعاية شؤون الناس، وتجعل الاستثمار في المشاريع الكبرى أرقاماً إعلامية لا مسارات إنتاج حقيقية تفتح أبواب العمل الواسع. لذلك تتكرر فكرة الهجرة؛ ليس حباً في الغربة، بل بحثاً عن أفق جديد.
وفي المقابل، هناك من يبقى لكنه ينكفئ. يقلّ طموحه، يخفض سقف أحلامه، يبتعد عن الشأن العام، ويتحول إلى فرد يسعى للنجاة اليومية فقط. هذا التحول أخطر من البطالة نفسها، لأنه يعني إطفاء شعلة كان يمكن أن تكون وقود نهضة. فالأمة لا تُبنى بأفراد خائفين، بل برجال ونساء يشعرون أنهم شركاء في حمل رسالة.
التاريخ الإسلامي يقدم صورة مختلفة تماماً. علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان شاباً حين حمل أمانة الإسلام. الزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وغيرهما كانوا في مقتبل العمر، ومع ذلك كانوا في قلب المشروع، لا على هامشه. لم يُطلب منهم الانتظار حتى "تنضج الظروف"، بل صُنعوا في خضم الصراع الفكري والسياسي لإقامة دولة الإسلام.
حتى القيادة العسكرية لم تُحصر في كبار السن؛ أسامة بن زيد رضي الله عنه ذو الـ17 عاما قاد جيشاً فيه كبار الصحابة. المعيار لم يكن العمر، بل الكفاية والثقة. هذا يعكس تصوراً واضحاً: الشباب ليسوا احتياطاً يُستدعى عند الحاجة، بل عماد البناء منذ البداية.
رمضان يعيد طرح المعنى العميق للمسؤولية. هو شهر بدر، حيث وقف شباب حملوا قضية واضحة، لا مجرد مطالب معيشية. هو شهر القرآن الذي نزل ليقيم أمة، لا ليصنع أفراداً منقطعين عن واقعهم. الصيام يربي الإرادة، لكنه يربيها لتُستخدم في نصرة الحق، لا في التكيّف مع الباطل.
إن الحل ليس في ترقيع الواقع، بل في تغييره من جذوره. الشباب ليسوا مشكلة توظيف، بل قوة مشروع. المشروع هو استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة تطبق الإسلام كاملا شاملا غير منقوص، فتجعل رعاية الشؤون واجباً، وتفتح مجالات العمل الحقيقي في الزراعة والصناعة والتجارة بعيداً عن التبعية والديون. في ظل نظام يطبق الإسلام، تُدار الملكيات العامة لصالح الأمة، ويُمنع الاحتكار، ويُحرّم الربا، ويُفتح المجال للإنتاج الواسع، فتتسع فرص العمل بطبيعتها.
الهجرة قد تكون مباحة شرعاً لتحسين الحال، لكنها لا يمكن أن تكون الحل الجماعي لأمة كاملة. والانكفاء الداخلي ليس خياراً شرعياً، لأن الأمة مأمورة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالعمل لإقامة الحكم بما أنزل الله. والشاب المسلم ليس مجرد باحث عن وظيفة، بل حامل أمانة.
المطلوب أولاً وعي فكري وسياسي. أن يدرك الشباب أن أزمتهم ليست شخصية، بل نتيجة نظام. وأن الحل لا يكون بتعديل بسيط في السياسات، بل بتغيير المرجعية ذاتها. حين يتشكل رأي عام واعٍ على أساس الإسلام، يصبح الشباب في مقدمة الصفوف، لا على هامش المشهد.
جيل الشباب في مصر ليس عبئاً يحتاج إلى تصريف، بل نواة التغيير الحقيقي. إن استعاد وعيه بدوره، وربط طاقته بمشروع واضح، تحوّل من باحث عن مخرج فردي إلى صانع مستقبل لأمته. والتاريخ يشهد أن كل تحول كبير بدأ بشباب آمنوا بفكرة، ثم عملوا لها بثبات حتى غيّروا مجرى الأحداث.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



