الخميس، 23 رمضان 1447هـ| 2026/03/12م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الأمة الواحدة: حين تتحطم الحدود المصطنعة أمام سيادة الشرع

 

نصلّي جميعاً إلى قبلة واحدة، ونصوم شهراً واحداً، ونقرأ كتاباً واحداً، ونؤمن برسول واحد ﷺ، ومع ذلك حين تُنتهك حرمة من حرمات المسلمين يُسأل: في أي دولة حدث ذلك؟ كأن الانتماء إلى الإسلام لم يعد كافياً ليحرك الجيوش، أو ليُغيّر السياسات، أو ليُرتّب الأولويات. هنا تتجلى المفارقة الكبرى بين حقيقة شرعية ثابتة، وواقع سياسي مفروض؛ أمة واحدة في العقيدة، ممزقة في الكيان.

 

إن وصف الأمة بالوحدة ليس شعاراً عاطفياً، بل توصيف شرعي لحقيقة يجب أن تكون قائمة في الواقع السياسي. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، فجاء التعبير خبرياً لا طلبياً، أي بياناً لواقع شرعي ينبغي تجسيده. هذه الوحدة لم تكن يوماً إحساساً وجدانياً فقط، بل كانت تتجسد في دولة واحدة تجمع المسلمين تحت إمام واحد، تطبق عليهم أحكام الإسلام، وتحمل الدعوة إلى العالم.

 

في ظل حكم الإسلام، لم يكن المسلم يعرف حدوداً سياسية تفصل بين الشام والعراق ومصر، ولم يكن انتقاله من إقليم إلى آخر انتقالاً بين دول، بل داخل دولة واحدة. كان الانتماء للعقيدة التي تنظّم الحياة وتقيم الحكم، لا للأرض المجردة. ولذلك لم يكن مفهوم "السيادة الوطنية" حاضراً، بل كانت السيادة للشرع، والسلطان للأمة، والخليفة يُبايَع على تطبيق الإسلام لا على حماية حدود مصطنعة.

 

هذا الواقع بدأ يتآكل حين ضعفت الرابطة المبدئية رابطة العقيدة، وتقدمت العصبيات المحلية على المبدأ، حتى جاءت اللحظة المفصلية في التاريخ الحديث بهدم الدولة العثمانية سنة 1924م. هنا لم يُسقط سلطان فحسب، بل أُزيل الكيان السياسي الذي كان يمثل وحدة المسلمين، واستُبدل به مفهوم الدولة الوطنية.

 

الغرب لم يكن يهدف إلى احتلال الأرض فقط، بل إلى تفكيك الفكرة. فَرَض الحدود، وصنع الجنسيات، وربط الشرعية بالاعتراف الدولي، وليس بأحكام الشرع. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الحدود إلى "مقدسات سياسية"، تحرسها الجيوش، ويُقمع باسمها كل مشروع يعمل لتوحيد الأمة وتطبيق الإسلام، ويُتهم من يتجاوزها بأنه يهدد السيادة.

 

غير أن السؤال الجوهري هو أي سيادة هذه؟ أهي سيادة للشرع أم سيادة للدستور الوضعي؟ أهي سيادة للأمة أم للنظام الدولي الذي رسم الخرائط وحدد الأدوار؟ الدولة القُطرية، بطبيعتها، كيان محدود، محكوم باتفاقيات دولية، ومرتبط بمصالح القوى الكبرى، وشرعيته قائمة على الاعتراف الخارجي لا من انبثاقه من عقيدة الأمة. ولذلك يصبح الحاكم حارساً للحدود، لا راعياً للأمة، ويغدو الجيش أداة لحماية النظام، لا درعاً للمسلمين كافة.

 

هذا الواقع أنتج وعياً مجزأً. فلسطين تحولت إلى ملف خارجي، وغزة إلى قضية إنسانية، وكشمير إلى نزاع إقليمي، وسوريا إلى أزمة داخلية. وهكذا تآكل الإحساس بالمسؤولية الجماعية، وحلّ محله تضامن موسمي لا يتجاوز البيانات والشعارات. لم يعد الدم المسلم يُفهم بوصفه دماً لأمة واحدة، بل حادثة في دولة أخرى.

 

الرؤية السياسية المبدئية الحقيقية تنطلق من أن هذا التمزق هو نتيجة مباشرة لمخالفة الشرع في أساس الحكم. فالإسلام لم يأتِ ليُنتج عشرات الكيانات المتنافسة، بل دولة واحدة تتولى رعاية شؤون المسلمين كافة. وحدة الأمة ليست خياراً سياسياً قابلاً للتفاوض، بل حكم شرعي دلّت عليه النصوص وإجماع الصحابة حين بادروا إلى نصب خليفة بعد وفاة الرسول ﷺ قبل الانشغال بأي شأن آخر.

 

السيادة في الإسلام للشرع وحده، وليست للشعب ولا للحاكم ولا لمؤسسات الغرب الاستعمارية. والسلطان للأمة تختار من يطبق عليها أحكام الله. أما حين تُستمد القوانين من غير الكتاب والسنة، فتُربط السياسات بإملاءات خارجية، وتُقدّم مصلحة السادة في الغرب على مصلحة الأمة.

 

إن إعادة فكرة الأمة إلى الوعي لا تعني تجاهل الواقع، بل فهمه على حقيقته. الحدود التي رُسمت في حقبة استعمارية ليست أحكاماً شرعية، بل ترتيبات سياسية فُرضت بالقوة. والاعتراف الدولي ليس مصدر شرعية في الإسلام، بل تطبيق الإسلام والبيعة على الحكم بالشرع. ومن هنا فإن العمل لإعادة الكيان السياسي الجامع ليس خروجاً عن النظام العالمي، بل عودة إلى مقتضى العقيدة.

 

الحج ورمضان، اللذان يجمعان المسلمين في زمن واحد على عبادة واحدة، يقدّمان نموذجاً حياً لوحدة الشعور والوجهة. لكن هذه الوحدة تبقى ناقصة إن لم تتحول إلى مشروع سياسي واعٍ. الاكتفاء بوحدة المشاعر دون السعي لإقامة دولة تطبق الإسلام على الأمة كلها يعني حصر الدين في الزاوية الروحية، وترك واقع الحكم لغيره.

 

إن استعادة الأمة الواحدة لا تبدأ بإلغاء الحدود على الخرائط، بل بإسقاط شرعيتها من العقول، وفضح زيف المفاهيم التي قدّستها، وإعادة تعريف الانتماء على أساس الإسلام. تبدأ بصراع فكري يكشف أن الوطنية القُطرية رابطة مصطنعة قياساً إلى رابطة العقيدة، وبكفاح سياسي يعمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي توحّد المسلمين تحت إمام واحد، وتجعل وحدتهم العقدية وحدة سياسية عملية.

 

الأمة الواحدة ليست حلماً شاعرياً، بل فريضة شرعية وضرورة واقعية.

 

بين واقع التمزق وإمكان النهوض تقف الفكرة حاسمة إما أن تُستعاد السيادة للشرع، ويُقام الكيان الجامع، فتنهض الأمة، وإما أن تبقى الحدود المصطنعة تحكم الجغرافيا وتقيّد القرار، ويبقى الجسد ممزقاً مهما اجتمعت الأرواح في مواسم العبادة.

 

﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع