الأربعاء، 22 رمضان 1447هـ| 2026/03/11م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة السابعة عشرة

ورثة الأنبياء أم شهود زور؟ موقع العلماء بين بيان الحق وتثبيت الواقع

 

العلماء في الإسلام ليسوا طبقة كهنوتية معزولة، ولا موظفين لدى السلطة، بل هم حملة دعوة، ووظيفتهم بيان الحكم الشرعي في كل شؤون الحياة، لا في العبادات الفردية فحسب. فهم «ورثة الأنبياء»، ووراثة الأنبياء تعني حمل الرسالة كاملة: عقيدةً، ونظاماً، وحكماً، ومحاسبةً، وجهاداً بالكلمة.

 

الإسلام دين شامل، ينظم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبغيره، ومن ذلك علاقة الأمة بحكامها. ولذلك لا يُقبل في هذا الفهم أن يُختزل دور العالم في الحديث عن الطهارة والصلاة والصيام، مع عظيم شأنها، بينما تُترك قضايا الحكم، والسيادة، والتشريع، والاقتصاد الربوي، والمعاهدات السياسية، خارج دائرة البيان. لأن هذه القضايا من صميم الشرع، وليست مسائل إدارية محضة.

 

في التاريخ الإسلامي، لم يكن العلماء شهوداً صامتين على انحراف السلطان. الإمام أحمد بن حنبل ثبت في فتنة خلق القرآن حين حاولت الدولة فرض رأي عقدي بقوة السلطان. لم يرَ المسألة خلافاً فكرياً بسيطاً، بل تعدياً من السلطان على ما ليس له، لأن التشريع في الإسلام ليس بيد الحاكم. وكذلك الإمام العز بن عبد السلام، الذي واجه بعض الحكام حين رأى تجاوزاً، حتى سُمّي سلطان العلماء. هذه المواقف لم تكن صداماً سياسياً، بل دفاعاً عن مبدأ: أن السيادة للشرع، لا لرأي السلطان.

 

أصل الخلل اليوم ليس في أخطاء جزئية، بل في قيام أنظمة تحكم بغير ما أنزل الله، مستندة إلى قوانين وضعية منبثقة عن الفكر الرأسمالي. وهنا يصبح بيان العلماء واجباً أعظم؛ لأن السكوت عن أصل النظام، مع الاكتفاء بالوعظ الأخلاقي، يُبقي الأمة في دائرة الأثر دون معالجة السبب.

 

على سبيل المثال حين تُدار الدولة بالقروض الربوية، وتُثقل كاهل الأمة بالضرائب لسداد ديون محرمة شرعاً، لا يكفي أن يُطلب من الناس الصبر على الغلاء. الصبر عبادة، نعم، لكن بيان حرمة الربا، وحرمة إقراره كأساس في نظام اقتصادي، واجب كذلك. فإن اقتصر الخطاب على تهدئة الناس دون تسمية الربا ربا، كان ذلك تعطيلاً لجزء من البيان.

 

وكذلك في الشأن السياسي، حين تُربط قرارات الأمة بإملاءات خارجية، أو تُقيَّد سيادتها باتفاقيات تخالف أحكام الشرع، لا يجوز للعالم أن يكتفي بالدعاء العام، بل عليه أن يبين الحكم الشرعي في تلك المعاهدات، ويقرر أن السيادة في الإسلام هي الكتاب والسنة، لا الشرعية الدولية.

 

إن الطاعة للحاكم ليست مطلقة، بل مقيدة بالتزامه بالشرع. قال أبو بكر رضي الله عنه: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم". هذا هو الإطار الصحيح: الحاكم منفذ لأحكام الإسلام، فإن غيّرها أو عطّلها، وجبت محاسبته. وهنا يكون العلماء في مقدمة من يقوم بهذه المحاسبة باللسان والبيان.

 

الخلل يظهر حين يتحول بعض خطاب العلماء إلى أداة لتثبيت الواقع، فيكثر الحديث عن "الفتنة" كلما طُرحت مسألة المحاسبة، ويُضخَّم مفهوم الطاعة حتى يُفهم على أنه تسليم مطلق. بينما في الإسلام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض، ويشمل الحاكم قبل غيره. وفي الحديث: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». نص صريح في أن بيان الحق أمام السلطان عبادة عظيمة.

 

رمضان يضاعف المسؤولية. هو شهر القرآن، والقرآن مليء بآيات الحكم والعدل والسيادة، لا بآيات التعبد الفردي فقط. في هذا الشهر تتجه القلوب إلى المساجد، وتُصغى الأسماع إلى الخطباء. فهل يُغتنم هذا الإقبال لبيان شمول الإسلام ونظامه في الحكم والاقتصاد، أم يُحصر الخطاب في دائرة ضيقة لا تمس واقع الأمة؟

 

العالم في هذا التصور ليس معارضاً سياسياً، ولا باحثاً عن صدام، بل حامل دعوة وحكم شرعي. يبيّن دون خوف، ويوازن بين الحكمة والوضوح، لكنه لا يُجامل على حساب النص. فإن فقد البيان دوره الواجب، فقد العلم تأثيره، وتحول إلى جزء من النظم التي يُفترض أن تُحاكم إلى الشرع.

 

من جهة أخرى، الأمة كذلك مسؤولة. فالمحاسبة ليست حكراً على العلماء. هي فرض كفاية على الأمة كلها، لكنها تحتاج إلى وعي يقوده أهل العلم. فإذا تراجع العلماء عن بيان الحكم في القضايا الكبرى، ضعف وعي الأمة، واستقرت الأنظمة الوضعية بلا مساءلة حقيقية.

 

الخلاصة أن وظيفة العلماء لا تنفصل عن مشروع استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة تطبق الإسلام كاملا. فالبيان الشرعي ليس ترفاً فكرياً، بل خطوة أساسية في إيجاد رأي عام واعٍ على أساس الإسلام، تمهيداً لإقامة الحكم بما أنزل الله.

 

فإما أن يكون العلماء حملة رسالة كما أرادهم الشرع، يصدعون بالحق ويكشفون الانحراف، وإما أن يتحولوا بوعي أو بغير وعي إلى جزء من واقع يُكرّس غياب الحكم بالإسلام. والفرق بين الدورين هو الفرق بين وراثة النبوة، وتركها معلقة في صفحات التاريخ.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع