السبت، 18 رمضان 1447هـ| 2026/03/07م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الثالثة عشرة

الخندق: الحرب ليست سيفاً فقط

 

الخندق ليست مجرد معركة حُفرت فيها الأرض، بل لحظة نضج استراتيجي في مسار الدولة الإسلامية الناشئة. لم يكن المشهد مواجهة تقليدية بين جيشين في ساحة مفتوحة، بل كان اختباراً مختلفاً؛ تحالف واسع من قريش وغطفان ويهود، فيما عُرف بالأحزاب، جاء ليستأصل المدينة من جذورها. عشرة آلاف مقاتل تقريباً في مواجهة ثلاثة آلاف، في ظرف اقتصادي وعسكري صعب. وفق الحسابات المادية البحتة، كانت المدينة على وشك الانهيار.

 

لكن ما حدث أعاد تعريف معنى القوة مرة أخرى. الفكرة التي طرحها سلمان الفارسي رضي الله عنه - حفر الخندق - لم تكن معروفة في حروب العرب. لم يقل أحد: "ليست من عاداتنا"، أو "هذا أسلوب أعجمي لا يليق بنا"، بل قُبلت الفكرة ليس لأنها تحقق المصلحة وتنسجم مع الضوابط فقط بل لكونها وسيلة مباحة ومن أشكال المدنية التي يجوز أخذها لكونها لا تتعلق بعقيدة مخالفة أو وجهة نظر في الحياة تخالف الإسلام. هنا يظهر بوضوح أن الإسلام يزن الوسائل بميزان مشروعيتها وفاعليتها.

 

الخندق لم يكن استسلاماً. أحياناً يكون الدفاع من الهجوم، حين يُحبط خطة العدو وتستنزف طاقته. الأحزاب جاءت لتقاتل في ساحة مفتوحة، فإذا بها تقف أمام حاجز لم تعهده. تعطل عنصر المفاجأة، وطال الحصار، وبدأت الخلافات بين صفوفهم. الحرب تحولت من مواجهة سريعة حاسمة إلى استنزاف نفسي ومعنوي.

 

الأهم من الحفر نفسه هو ما جرى داخلياً. المدينة كانت تحت ضغط هائل: برد شديد، جوع، خوف من خيانة داخلية بعد نقض بني قريظة للعهد. القرآن وصف اللحظة بدقة: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾. في هذا الجو، ظهرت معادن الرجال، وانكشف المنافقون، وتمايز الصف. لم يكن الصراع عسكرياً فقط، بل كان صراع ثبات وصبر.

 

النبي ﷺ لم يواجه التحالف الهائل باندفاع عاطفي، ولا بخروج غير محسوب إلى ساحة مكشوفة. اختار تحصين الداخل، وإدارة المعركة بعقل. حتى في التفاوض، حين حاول استمالة بعض القبائل بعروض مرحلية لتفكيك التحالف، كان يتحرك بمرونة سياسية، دون تفريط في أصل المشروع. الهدف لم يكن تسجيل بطولة سريعة، بل حماية الدولة.

 

الخندق يعلمنا أن الابتكار ليس ترفاً. الجمود على الوسائل القديمة قد يكون مدخلاً للهزيمة. ما دام الأصل محفوظاً والضوابط محترمة، فإن تطوير الأدوات والإبداع فيها أمر لازم، الصراع لا يجري بالسيف فقط، بل بالاقتصاد، والإعلام، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني. من لا يُحسن قراءة هذه الميادين، قد يجد نفسه محاصراً دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

 

كذلك، يكشف الخندق أن الوحدة الداخلية هي خط الدفاع الأول. أخطر ما واجه المدينة لم يكن فقط الأحزاب خارج الأسوار، بل احتمال الانهيار من الداخل. لذلك كان التعامل الحاسم مع نقض العهد لاحقاً جزءاً من تثبيت هيبة الدولة. لا يمكن لدولة أن تصمد إذا كانت رخوة من الداخل، أو إذا تُركت الخيانات دون معالجة واضحة.

 

في واقع كثير من الدول اليوم، قد لا يكون التهديد دائماً غزواً عسكرياً مباشراً، بل ضغوطاً اقتصادية، أو تحالفات سياسية، أو اختراقات فكرية وإعلامية. الاستجابة الحكيمة ليست دائماً في المواجهة الصاخبة، بل أحياناً في إعادة ترتيب الداخل، وتقليل نقاط الضعف، وبناء اكتفاء ذاتي في المجالات الحيوية.

 

الخندق أيضاً رسالة بأن الصبر جزء من الاستراتيجية. الحصار طال، والضيق اشتد، لكن القيادة لم تفقد توازنها. ومع تغير الرياح حرفياً ومعنوياً ونصرة الخالق صاحب النصر تفرقت الأحزاب دون قتال شامل. انتهت المعركة بانسحاب العدو، لا بهزيمته في ساحة مفتوحة. ومع ذلك، كانت نقطة تحول: بعدها لم تعد قريش قادرة على جمع تحالف مماثل، وانتقلت المبادرة إلى المسلمين.

 

الدرس العميق هنا أن النصر ليس دائماً صورة درامية لسيف يُرفع، بل قد يكون صموداً ذكياً يُفشل خطة كاملة. في عالم اليوم، قد يكون بناء اقتصاد مستقل، أو منظومة تعليم قوية، أو إعلام واعٍ، خندقاً يحمي الأمة من اختراق طويل الأمد.

 

الخندق يعلمنا فهم طبيعة الصراع قبل أن نختار وسيلة المواجهة. لا نقدّس المواجهة لذاتها، ولا نفر من التحدي، بل نقرأ ميزان القوى، ونبتكر ونبدع في استخدام الوسائل والأساليب المباحة، ونحصّن الداخل، ونصبر. الحرب ليست سيفاً فقط، بل عقل يُدير، وإرادة تثبت، ومجتمع يتماسك. ومن يجمع هذه العناصر، قد ينتصر دون أن يخوض المعركة بالطريقة التي أرادها خصمه.

 

إن العقلية الإسلامية التي تفكر على أساس الإسلام ليست فوضوية بل مرتبة تعرف غايتها وترتب أولوياتها على أساس أحكام الإسلام الأمر الذي يعيدنا إلى ما نحتاجه اليوم وما لن نراه إلا في ظل الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع