الخميس، 16 رمضان 1447هـ| 2026/03/05م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لن نسمح للعوائق أن تمنعنا من النجاح في رؤيتنا الحقيقية للتغيير

 

(مترجم)

 

ما يتضح أكثر مع مرور الأيام والأشهر والسنوات هو أن البنية السياسية الحالية - الرأسمالية العلمانية - لم تُبنَ لرعاية الناس أو لإقامة مجتمع يسوده السكينة والأمن. ففي الغرب نرى نتائج قوانينه: العنصرية، وكراهية النساء، والاغتصاب، والعنف الداخلي المصطنع، والفقر، والفوارق الهائلة في الدخل، والانحلال الأخلاقي، وغير ذلك. ونعلم جيداً نتائج السياسات الخارجية الغربية: حروب لا تنتهي، واعتداءات، وفقر، ونهب للموارد، وانقسامات، وتدخلات سياسية، وانعدام تام للاستقلال السياسي.

 

إن ملفات إبستين، رغم أنها لم تُنشر بالكامل وخضعت لتنقيحات واسعة، تسلط الضوء على مدى بشاعة ونفاق الحضارة الغربية. ففي كل المجالات - من السياسيين الليبراليين والمحافظين، إلى أفراد العائلات المالكة، والأكاديميين، وكبار رجال الأعمال - انكشف الانحدار الأخلاقي للنخب. وبينما يروّجون لما يُسمى بالقيم الليبرالية على بقية العالم، وغالباً ما يتخذونها ذريعة للتدخل العنيف في البلدان أو لفرض قوانين قاسية تُقيّدها مالياً، فإنهم يرتكبون الجرائم نفسها في بلدانهم. وبينما كنا نعلم منذ عقود أنهم يُجَوِّعون الشعوب في الخارج ويعتدون عليها ويعذبونها ويقتلونها دون محاسبة، فإننا نكتشف الآن أن لدى النخب آلية منظمة لإدارة شبكات الاتجار بالأطفال والنساء واستغلالهم وإسكاتهم. وهناك مؤسسات ومحامون وشبكات لإدارة المخاطر وحماية السمعة، ما يكشف أن الأنظمة الغربية غالباً ما تحتوي الفضائح وتسيطر عليها بدلاً من ضمان العدالة وحماية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع. إن "المستنقع" أعمق وأكبر مما كان يتخيله أحد. فالحضارة الغربية تعاني فساداً أخلاقياً واقتصادياً وسياسياً.

 

والسؤال الآن: كيف لا تزال هناك عوائق في طريقنا نحو تحقيق رؤية التغيير؟ فبدل أن يكون هذا الواقع حافزاً للأمة للتحرك نحو إقامة النظام الوحيد القادر على إحداث التغيير الحقيقي - الخلافة - ما زلنا نجد أنفسنا نعتقد أن هذه الرؤية متطرفة أكثر من اللازم، أو مخيفة، أو أنه من الأفضل العمل ضمن الإطار السياسي القائم.

 

لا تزال هذه الأفكار تتسلل إلى عقول المسلمين، وربما أكثر لدى المسلمين الذين يعيشون في الغرب، رغم أننا نشهد حالياً تراجع الإمبراطورية الأمريكية، وتتعالى صرخات المظلومين من كل أنحاء العالم.

 

فلننظر في سبب وجوب تغيير نظرتنا إلى العالم، وكيف يمكن أن يساعدنا ذلك في تحقيق رؤية التغيير الناجح. فمثلاً، كيف قاد النبي ﷺ الصحابة إلى النجاح دون أن يساوم على الإسلام، حتى تمكنوا من إقامة الدولة في المدينة المنورة بثقة كاملة بالله سبحانه وتعالى. وإذا قارنا المجتمع آنذاك بواقعنا اليوم، نجد أوجه شبه كبيرة: كانت الفتن منتشرة، وكان المسلمون يُعاملون بقسوة وظلم، وطُلب منهم التنازل والتكيف مع الوضع القائم، وكانت هناك قوى عظمى تفوقهم في المال والتقنية والموارد البشرية. ومع ذلك، لم يقبل النبي ﷺ أن يكون سياسياً في نظام قريش أو في أي من الأنظمة الأخرى آنذاك. بل حين عُرض عليه أن يكون زعيماً في قريش مقابل المال والسلطة والنساء إن هو تخلى عن دعوته، قال ﷺ: «وَاللهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ، مَا تَرَكْتُهُ، حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ أَهْلَكَ دُونَهُ».

 

ولم يظن ﷺ لحظة أن الانخراط في نظام سياسي غير إسلامي، أو إرسال أحد الصحابة للانضمام إليه، سيغير المجتمع. بل ثبت هو والصحابة على دعوتهم، وصبروا على الأذى وهم ينشرون رسالة الله سبحانه وتعالى، حتى جاءت النصرة من قبيلتي الأوس والخزرج، وعندها أُسِّس لأول مرة كيان الدولة الإسلامية التي تطبق شريعة الله كاملة. تخيلوا التغيير الجذري الذي حدث في مجتمع كانت العصبية القبلية فيه تتغلب على العدالة، وكان فيه ظلم النساء والفقراء شائعاً، إلى مجتمع تُصان فيه كرامة المرأة والفقير، وتعلو فيه العدالة على كل انتماء قبلي. وبهذا النمط من التغيير الجذري يمكن أن يتحقق اليوم واقع جديد، يصرخ فيه المظلومون فرحاً بعد أن كانوا يصرخون ألماً.

 

وبعد أن ترسخت الدولة الإسلامية في المدينة، توجه النبي ﷺ والأنصار والمهاجرون لنشر الدعوة في الجزيرة العربية وما وراءها. وعلى الرغم من قلة عددهم مقارنة بقريش والروم والفرس، لم يتوقفوا خوفاً على أرواحهم أو أموالهم، ولم يروا أن أعداء الإسلام أقوى من أن يُواجَهوا، بل ثبتوا على إيمانهم بالله سبحانه وتعالى، وصدقوا في حمل رسالته وحكمه إلى العالم. وبذلك الصدق واليقين نصرهم الله على قريش في بدر، وعلى الفرس في القادسية، وعلى الروم في اليرموك. يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾.

 

لا شك أن في ذلك تذكرةً لنا، كما كان تذكرةً للصحابة رضي الله عنهم، ولصلاح الدين الأيوبي عندما هزمت جيوشه الصليبيين، ولسيف الدين قطز الذي قاد الجيش لهزيمة المغول الذين كان يُظن أنهم لا يُقهَرون، بأن لا قوة أعظم من قوة الله سبحانه وتعالى. فمهما بلغت دولةٌ ما من التقدم والهيمنة، فإنه إذا قضى الله بزوالها فتزول. وفي المقابل، فهو تذكيرٌ بأنه إذا قضى سبحانه بنصر المؤمنين على عدوهم، فلا قوة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو تكنولوجية تستطيع أن تمنع ذلك.

 

وهذا يشمل الحكام الخائنين في بلاد المسلمين، والحكام الظالمين في أمريكا وأوروبا وغيرها اليوم. إن المنظور الذي كان ينظر من خلاله نبينا الحبيب ﷺ، والصحابة رضي الله عنهم، وعلماء وحكام ماضينا المشرّف إلى العالم، كان هو منظور الإسلام وحده. لم يكونوا يخشون فقدان أموالهم أو أرواحهم أو مكانتهم، وحتى إن شعروا بالخوف بحكم طبيعتهم البشرية، فإنهم لم يسمحوا له أن يثنيهم أو يوقفهم، لأن الله سبحانه وتعالى يذكّرهم في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ وقوله سبحانه: ﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

 

إن العوائق التي تقف في طريقنا هي عوائق صُنعت عبر الدعاية الغربية ورؤيةٍ شُوِّهت بفعلها. والحقيقة أن الأمة اليوم تملك القوة البشرية، والخبرة العسكرية، والقدرات الفكرية، والموارد المادية، والثروات. لكن يبقى أن نُحكِم إيماننا وتوكلنا على الله سبحانه وتعالى، ونحن نتقدم لفضح كل الآفات في العالم التي هي نتيجة مباشرة للأنظمة السياسية الوضعية التي صنعها البشر.

 

نحن بحاجة إلى تذكير إخواننا في جيوش المسلمين بأن ولاءهم يجب أن يكون لله سبحانه وتعالى، وليس للحكام الخاضعين لأمريكا. فهم مسؤولون أمام الله وأمام الأمة عن نصرة المظلومين وتحرير البلاد المحتلة وإقامة شريعته سبحانه وتعالى. كما ينبغي أن نذكّر علماءنا وقادة جالياتنا والموظفين والمسؤولين في الغرب، وكذلك أصحاب المناصب والنفوذ في بلاد المسلمين، بضرورة متابعة ما يجري في الساحة السياسية العالمية بعينٍ إسلامية، والبحث عن حلول تنبثق من القرآن والسنة، لأن لهم تأثيراً كبيراً على الأمة في توجيهها نحو الطريق الصحيح، حتى يمنّ الله علينا بإذنه سبحانه بالنصر على الظالمين، فنستبدل بالنظام الوضعي الفاسد نظام الإسلام العادل.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سارة محمد – أمريكا

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير            #TrueVision4Change

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع