الإثنين، 13 رمضان 1447هـ| 2026/03/02م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سُنن الله ماضية في الخلق لا يغيرها أحد سواه

 

إن الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي استغنى عن الصاحبة والولد الذي لم يكن له شريك في الملك وما ينبغي له، الخالق للخلق وموجد الأشياء من عدم، المدبّر، قد وضع سُنناً للخلق وقوانين حين خلقها، لتسير عليها أمور الحياة. فجعلها ماضية في خلقه إلى قيام الساعة، يبدلها منها ما هي في الحياة الدنيا، كطلوع الشمس من المغرب.

 

إن من سُنن الله في الخلق، جعل الأيام "الأزمنة" يظهر الناس فيها بدولهم بعضهم على بعض، بعوامل وأسباب يتخذونها ومناهج وسبل يسلكونها بغض النظر عن صوابهم وخطئهم، فقد ظهرت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة على العالم "الفرس والروم". والخطاب والعبرة فيها لأهل الإيمان بالثبات على الحق، والتحذير لأهل الباطل من التمادي فيه. قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.

 

وما نحن بصدده اليوم هو انهيار الدولار وتدهوره أمام الذهب، وما يحمله من دلالات. إن بلوغ الدين العام الأمريكي اليوم في النصف الثاني من شهر شباط/فبراير 2026م يكاد يلامس 40 تريليون دولار؛ مقسّم إلى ثلثين دين داخلي، وثلث دين خارجي. وإذا دقننا في الأمر فسنجد أن الدين الأصلي لا ينطبق على هذا الرقم بل هو أقل! إذاً من أين أتت الزيادة التي لا تتوقف، وهي بمقدار إضافي هو 1.2 تريليون دولار لعام 2025م ليصبح حجمه ثاني إنفاق حكومي؟! وإذا قارنّا بين سعر أونصة الذهب "31.1 جم" عيار 24 قيراط اليوم، وبين 35 دولارا سعرها في مؤتمر بريتون وودز "هامشاير" عام 1945م! إضافة إلى طبع 5 تريليون دولار سنوياً لمواجهة سداد ربا سندات الخزانة وعجز الموازنة الفيدرالية السنوية! وفي الحقيقة هناك من قال "لا توجد وسيلة أضمن وأدهى لقلب الأسس القائمة لمجتمع ما من إفساد العملة". ما جعل البنوك المركزية حول العالم تصرف النظر عن التمسك بالدولار، وتقبل على شراء الذهب وتخطط لأن يكون 15% إلى 30% فقط من كتلتها النقدية من الدولار، ومعها الصناديق المتداولة والمستثمرون حول العالم في الإقبال على شراء الذهب وحيازته. فقد دق ناقوس الخطر في العام 2008م بحدوث الأزمة الاقتصادية، التي امتدت إلى العام 2025م.

 

إذا نظرنا إلى كل ذلك فإننا سنجد أنفسنا أمام صورة منهكة بلغها الاقتصاد الأمريكي، لم ينفع معه رفع سقف حجم الدين من قبل الكونجرس، ولا جمع ترامب 4 - 5 تريليون دولار من أنظمة الخليج، ولا رفع التعريفات الجمركية المبالغ فيها في وجه التجارة الخارجية مع أمريكا، ولا وضع اليد على نفط فنزويلا ولا حتى نفط إيران، ولا تعيين كيفن وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي المتحمس لخفض نسبة الربا، ولا مساندة البنوك الأمريكية، ولا أسواق المال في وول ستريت ولا غيرها من الأعمال الاقتصادية التي تهدف إلى الحد من انهيار الدولار وصعود الذهب!

 

لكن السؤال ما الذي جعل الأمور تسوء وتصل إلى هذا الحد؟ السبب ببساطة هو تمادي نظام الاقتصاد الرأسمالي بجعل الربا أساساً من أسسه وحلاً يفزعون إليه في معالجة المشكلات الاقتصادية، وما نشأ عنه من تعاملات كتداول للدين بيعاً وشراءً، وبيع سندات الخزانة الأمريكية، وإنشاء للشركات المساهمة، وتداول لأسهمها، وأسواق المال من بيع للسلع الحاضرة والغائبة، كلها أهلكت ما بقي من جوانب الاقتصاد، ومعالجات أخرجت الاقتصاد من الحقيقي في تبادل السلع والأموال إلى الوهمي الذي وجد معه طيف من الأسواق والتعاملات غير الموجودة سابقاً، ساعدهم فيه التقدم التقني والعلمي، مع ظهور برامج الكمبيوترات والتطبيقات الفيزيائية من مؤشرات ومنحنيات الصعود والهبوط والتسويات، والمتاجرة بالبيع والشراء بالآجل لسلع ومنتجات غير موجودة بحيازة التجار وغير متوفرة في الأسواق. هذا كله ضاعف من القيمة الحقيقية للسلع إلى 40 ضعفاً! فقد صار السوق الذي فيه بضائع بقيمة 100 مليار تساوي 4 تريليون! وكل ذلك طمعاً في تحقيق الأرباح بغض النظر عن الوسائل والأساليب، وبأسرع ما يمكن! قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ فلا يظن ظان بأن الربا محرم في الإسلام فقط.

 

ومعه وصول عجز الميزانية الأمريكية، حداً جعل الاحتياطي الفيدرالي يزيد سنوياً في إصدار الأوراق النقدية التي وصلت حد تريليونات الدولارات، ما أوجد معه تصخماً بأرقام مفجعة، ازدادت معها أثمان ما بين أيدي الناس من سلع مجتمعة "ذهب وفضة ومعادن، عقارات ومصانع...الخ" قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

 

إن الحلول التي يضعها الاقتصاديون الأمريكيون هي أقرب للفوضى، وتؤدي إلى فقدان الناس ما بين أيديهم من أموال، من أمثال فرض سلطة قانون الطوارئ (قانون صدر عام 1917م أثناء الحرب العالمية الأولى تحت عنوان قانون المتاجرة مع العدو. وصادر بموجبه الرئيس روزفلت الذهب من الأمريكيين في 1933م، في أعقاب الكساد العظيم، وإلا تعرضوا للحبس والغرامات. ثم عاد القانون للظهور عام 1977م في زمن الرئيس كارتر) إلى إقفال البنوك ومصادرة ترامب ما في أيدي الأمريكيين من ذهب، ومعه السيطرة على ذهب الدول المودع في بنك الاحتياطي الفيدرالي وفي غيره من خزانات أمريكا.

 

إن الاقتصاديين الأمريكيين حالياً كبرنانكي وروبرت زوليك وجيمس ريكاردس وغيرهم، يعرفون التعامل بالنقدي على أساس قاعدة الذهب، وحري بهم العودة إليها مع تحمل أعبائها، وعدم ترك الفوضى تسيطر على النظام المالي العالمي. ودعك من المنادين برفض العودة إليها.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس شفيق خميس – ولاية اليمن

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع