- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة السابعة
الهجرة النبوية من الدعوة إلى الدولة
الهجرة النبوية ليست حدثاً تاريخياً يُستحضر في المواسم، ولا مجرد رحلة نجاة من بطش قريش، بل هي إعلان انتقال حاسم: من طور الدعوة المجردة إلى طور الدولة، من مرحلة الاستضعاف والصبر على الأذى إلى مرحلة إقامة السلطان وتطبيق الإسلام واقعاً حياً في المجتمع. إنها لحظة تحوّل في مسار الرسالة، ولحظة وعي سياسي عميق بأن الأفكار العظيمة لا يكفي أن تُؤمن بها القلوب، بل لا بد أن تحملها دولة تحميها وتنشرها.
في مكة، استمر العمل ثلاثة عشر عاماً. لم يكن العمل عفوياً ولا ارتجالياً. تكوين كتلة مؤمنة صلبة، تربية على العقيدة، صهر للشخصيات في مدرسة الوحي، مواجهة فكرية مع المجتمع الجاهلي، ورفض لكل حلول الترقيع. عُرض على النبي ﷺ المال والملك والجاه، فرفض. عُرض عليه أن يعبد آلهتهم عاماً ويعبدوا إلهه عاماً، فكان الجواب: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. لم يكن الهدف تحسين شروط العيش داخل النظام الجاهلي، بل تغييره جذرياً.
لكن التغيير لم يكن قفزة في المجهول. حين اشتد الأذى، لم يتحول العمل إلى رد فعل عاطفي، ولم يُستدرج إلى مواجهة مسلحة غير محسوبة. بل بدأ البحث عن النصرة؛ عن قوة تحمي الدعوة وتمكّنها من التحول إلى كيان سياسي. عُرض الإسلام على القبائل في مواسم الحج، وجرت حوارات طويلة مع زعمائها. كان السؤال واضحاً: من يحمل هذه الدعوة ويمنحها الحماية لتُقام بها دولة؟
بيعة العقبة الأولى ثم الثانية لم تكونا مجرد بيعتين روحيتين، بل عقداً سياسياً كاملاً. في بيعة العقبة الثانية، تعهد الأنصار أن يمنعوا رسول الله ﷺ مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. هذا تعهد بالحماية العسكرية، أي إعلان استعداد لإقامة كيان مستقل في المدينة. هنا بدأت ملامح الدولة تتشكل قبل أن تطأ قدم النبي ﷺ أرض يثرب.
الهجرة نفسها كانت تخطيطاً محكماً: اختيار التوقيت، التمويه، المبيت في الغار، توزيع الأدوار بين علي رضي الله عنه، وأسماء بنت أبي بكر، وعبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن أريقط الدليل. الأخذ بالأسباب كان كاملاً، ومع ذلك كان التوكل حاضراً بقوة. حين قال أبو بكر رضي الله عنه: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا"، كان الجواب: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا». هذا التوازن بين الإعداد واليقين بالله هو جوهر المنهج.
في المدينة، لم يُعلن النبي ﷺ مجرد إقامة مجتمع دعوي، بل أسس دولة: آخى بين المهاجرين والأنصار لتذويب الفوارق، وضع وثيقة المدينة لتنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع، أقام السوق لكسر الهيمنة الاقتصادية لليهود، جهّز الجيوش، وأرسل الرسائل إلى الملوك. في سنوات قليلة، انتقل الإسلام من كتلة مستضعفة إلى كيان سياسي يفرض حضوره في الجزيرة كلها.
هذا التحول يطرح سؤالاً ملحاً على واقعنا المعاصر: هل يكفي أن تبقى الدعوة في حدود الوعظ والتذكير، أم أن الإسلام بطبيعته منهج حياة كاملة ومشروع حقيقي لا يكتمل إلا بدولة تطبقه؟ التجربة النبوية تقول بوضوح إن الإسلام ليس فكرة روحية معزولة عن السياسة، ولا طقوساً فردية تُترك للوازع الشخصي. هو نظام شامل ينظم الحكم والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الدولية، ولا يمكن أن يُطبَّق تطبيقاً كاملاً في ظل أنظمة تستمد تشريعاتها من غيره.
في واقع الأمة اليوم، نرى اختزال الإسلام في الشعائر، بينما تُدار شؤون الحكم والاقتصاد بقوانين الغرب المادية. تُدار الثروات وفق منطق الربح الرأسمالي، وتُرسم السياسات وفق توازنات دولية لا تعترف بقوانين أساسها الوحي. والنتيجة: أزمات متكررة، تبعية سياسية، اختلال في توزيع الثروة، وتفكك اجتماعي. هذا ليس قدراً محتوماً، بل ثمرة غياب الكيان السياسي الذي يحمل الإسلام بوصفه نظام حكم واجب الوجود والتطبيق.
الهجرة تعلّمنا أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من ردود أفعال آنية، بل من بناء كتلة واعية على فكرة كلية واضحة حتى تتجسد فيها الفكرة، ثم السعي الواعي لامتلاك القوة التي تحمي هذه الفكرة. لا عشوائية، ولا استعجال، ولا ذوبان في الواقع القائم. ففي مكة، لم يساوم النبي ﷺ على أصل الفكرة ليحصل على جزء من السلطة، وفي المدينة لم يؤجل تطبيق الأحكام بحجة التدرج السياسي.
ربما يظن البعض أن إقامة دولة على أساس الإسلام أمر بعيد المنال في عالم تحكمه قوى كبرى ومنظومات دولية معقدة. لكن الهجرة نفسها كانت في ميزان القوى آنذاك خطوة مستحيلة وجريئة. قريش كانت القوة الأبرز في الجزيرة، ومع ذلك لم تستطع منع مسار التحول. الذي صنع الفارق لم يكن التفوق المادي، بل وضوح المشروع، وصلابة الكتلة المؤمنة به، والسعي الجاد لامتلاك أسباب القوة مع الثبات على الفكرة.
رمضان، شهر الهجرة والانتصارات الكبرى، يعيد تذكير الأمة بأن التحولات التاريخية لا تصنعها الأمنيات، بل تصنعها الرؤية الواضحة والعمل المنظم. من الدعوة إلى الدولة مسار طويل، لكنه ليس مستحيلاً. يبدأ بفهم الإسلام بوصفه نظام حياة شاملاً، ويمر ببناء وعي سياسي على هذا الأساس، وينتهي بكيان يحمله ويحميه.
الهجرة ليست ذكرى تُروى، بل منهج تغيير يُتَّبع. والسؤال الذي يبقى معلقاً أمام كل مسلم: هل نكتفي بالانتماء العاطفي المشاعري، أم نبحث بجد عن استعادة الدور الحضاري الذي بدأ بخطوة واعية من مكة إلى المدينة، فغيّر وجه التاريخ؟
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



