الأحد، 12 رمضان 1447هـ| 2026/03/01م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة السادسة

كيف فُرضت الدولة الوطنية على مصر؟

 

لم تنشأ الدولة الوطنية في بلاد المسلمين بصيغتها الحديثة في سياق تطور داخلي طبيعي يعكس اختياراً حراً للأمة في شكل حكمها، بل تشكّلت في لحظة تاريخية مضطربة أعقبت هدم آخر كيان سياسي جامع كان يعبر عن الأمة وهويتها وعقيدتها. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، أُعيد رسم الخرائط، وقُسمت البلاد، وثُبتت حدود لم تكن تعكس بالضرورة امتدادات اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية متجذرة، بل استجابت إلى توازنات قوى دولية واتفاقات سياسية معروفة في كتب التاريخ.

 

في الحالة المصرية، لم تكن الدولة الحديثة امتداداً بسيطاً لنموذج تقليدي سابق، بل خضعت لعمليات إعادة تشكيل قانوني وإداري عميقة. استُبدلت المرجعيات القضائية تدريجياً، وأُدخلت القوانين المدنية والجنائية المستمدة من مدارس قانونية غربية، وأُعيد تعريف مفهوم السيادة ضمن الإطار الدولي الحديث القائم على الدولة القُطرية. لم يعد الانتماء السياسي الأوسع للعقيدة وللأمة هو المحدد، بل أصبحت الحدود المرسومة هي الإطار الأعلى للحركة السياسية.

 

هذا التحول لم يكن شكلياً فقط، بل مسّ جوهر وظيفة الدولة. ففي الإسلام، كانت وظيفة السلطة هي رعاية شؤون الناس بأحكام الإسلام. الرعاية هنا مفهوم يتجاوز الإدارة التقنية؛ فهو يعني أن التشريع ذاته منبثق عن عقيدة ثابتة، وأن الحاكم مقيّد بنصوص لا يملك تغييرها. أما في الدولة الوطنية الحديثة، فالبرلمان أو الجهة التشريعية مصدر القوانين، يسنّ ويعدل وفق اعتبارات المصلحة كما يراها.

 

قوانين الأحوال الشخصية في مصر على سبيل المثال، ظل هذا المجال أكثر ارتباطاً بالفقه الإسلامي مقارنة بغيره من المجالات، لكن بقية المنظومة القانونية من قانون العقوبات إلى القانون التجاري تأثرت بمدارس وضعية. هذا التعايش بين مرجعيتين خلق حالة ازدواجية قانونية: جزء يستند إلى الشريعة، وجزء يستند إلى فلسفات قانونية أخرى. ومع مرور الزمن، أصبح الإطار العام للدولة أقرب إلى النموذج القانوني الحديث منه إلى النموذج الفقهي.

 

أما على المستوى الاقتصادي، فيتجلى التحول بوضوح أكبر. حين تُبنى السياسات المالية على الاقتراض الخارجي بالربا، وتُربط العملة المحلية بآليات سوق عالمية فوق كونها ورقة بلا قيمة ذاتية، وتُصاغ الموازنات وفق توصيات مؤسسات مالية دولية، فإن القرار الاقتصادي يصبح مرتبطاً بشبكة علاقات تتجاوز حتى الحدود الوطنية المزعومة. فتتحول الدولة - تدريجياً - من كيان يسعى لتحقيق اكتفاء واستقلال نسبي، إلى طرف في منظومة عالمية تحدد له هوامش الحركة.

 

مثال واقعي: برامج الإصلاح الاقتصادي التي تُشترط مقابل قروض. غالباً ما تتضمن هذه البرامج إعادة هيكلة الدعم، وخصخصة بعض الأصول، وتحرير أسعار معينة. قد تكون لهذه السياسات مبرراتها في التوازنات المالية، لكن السؤال الذي يجب طرحه: هل تنبع هذه الخيارات من تصور اقتصادي مستقل يعكس هوية المجتمع ومرجعيته، أم من اشتراطات خارجية تضبط المسار؟

 

في البعد السياسي، أدت الدولة القُطرية إلى تضييق مفهوم الانتماء السياسي في حدود جغرافية محددة. القضايا التي تمس شعوباً مسلمة في مناطق أخرى تُعامل رسمياً كقضايا خارجية، تخضع لحسابات المصالح الوطنية الضيقة، لا لمنطق الانتماء الأوسع للعقيدة والأمة الواحدة. هذا الإطار يعزز منطق السيادة المنفصلة لكل دولة، لكنه يضعف أي تصور لوحدة قرار سياسي جامع.

 

أما من حيث إدارة الأزمات، فقد تحولت الدولة الحديثة إلى جهاز يتعامل مع تداعيات أزمات متلاحقة: عجز في الموازنة، تضخم، بطالة، ديون، أزمات طاقة... بدلاً من أن تكون الرؤية طويلة المدى مؤسسة على فلسفة اقتصادية حقيقية، ويصبح الجهد منصباً على احتواء آثار مشكلات متراكمة. هنا ينتقل التركيز من "رعاية شاملة" إلى "إدارة أزمة".

 

رمضان، بوصفه شهر نزول القرآن، يعيد طرح سؤال. القرآن ليس كتاب عبادات فحسب، بل تضمن آيات في الحكم والاقتصاد والعلاقات الدولية. فإذا كان هذا النص يُتلى في المساجد، بينما تُستمد القوانين من مصادر أخرى، فإن الفجوة بين الإيمان والنظام العام تبقى قائمة.

 

من هنا، فإن الأزمات المتكررة ليست فقط نتيجة سوء إدارة، بل نتيجة غياب نظام موحد ينبثق من العقيدة نفسها. وبالمقابل، يرى أنصار الدولة الوطنية الحديثة أن التعدد المرجعي وتبني النظم الوضعية هو جزء من التكيف مع النظام الدولي المعاصر.

 

مهما كان الموقف، يبقى التساؤل من أين تُستمد القوانين؟ ولمن تكون السيادة؟ هو السؤال الذي يحدد مسار الدولة، وحدود استقلالها، وطبيعة علاقتها بأمتها وبالعالم. وما دام هذا السؤال مفتوحاً، سيظل النقاش قائماً حول شكل الحكم الأمثل، وهو نقاش يتجدد كلما عاد الناس إلى النصوص وتأملوا واقعهم في آن واحد.

 

إن الرؤية الإسلامية لا تنظر إلى هذه الأسئلة بوصفها جدلاً فكرياً مجرداً، بل باعتبارها مسألة مبدأ وهوية. فالإسلام حين يجعل السيادة للشرع، لا يقصد مجرد شعارات دينية تُرفع، بل نظاماً متكاملاً تُستمد منه القوانين، وتُضبط به العلاقات، ويُحكم به في السياسة والاقتصاد والاجتماع وسائر شؤون الحياة. فالسيادة هنا ليست اختياراً ثقافياً من بين خيارات متعددة، بل التزام نابع من الإيمان بأن الوحي هو الأعلم بمصالح العباد، والأقدر على تحقيق العدل والاستقرار.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الإسلام يدعو إلى إعادة وصل ما انقطع بين العقيدة والنظام، بحيث لا يبقى الدين حبيس المجال الفردي، ولا تُدار شؤون الأمة بمنأى عن قيمها وعقيدتها. إنه طرح يقوم على سيادة الشرع، ووحدة الأمة، ويرى في ذلك أساساً للخروج من دوائر الاضطراب والتبعية والتناقض.

 

إن الدعوة إلى هذا التصور ليست دعوة صدام أو انعزال، بل دعوة مراجعة جادة لسؤال: كيف نعيش على أساس الإسلام؟ وكيف نجعل ما انبثق عنه من أحكام علاجا لمشكلات الناس ونمط عيش حقيقي لهم يعالج أزماتهم، لا مجرد تراث يُستحضر في المناسبات؟ حين يُعاد طرح هذه الأسئلة بوعي وصدق، يصبح الطريق نحو نظام منبثق من الإسلام نفسه خياراً أوحد في ساحة الفكر والعمل، وقادراً على أن يمنح الأمة وضوحاً في الرؤية وثباتاً في الاتجاه، حتى تقام للأمة دولتها من جديد؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع