الأحد، 12 رمضان 1447هـ| 2026/03/01م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة السادسة

حين طاف النبي ﷺ على القبائل: طلب النصرة وبناء الدولة بين دروس السيرة ووعي الواقع

 

لم يكن طلب النصرة في السيرة النبوية مجرد تحرك دعوي عابر، بل كان عملا واعيا للانتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين عبر البحث المنظّم عن كيان يحمي الدعوة ويُمكّن لها. بعد وفاة أبي طالب وخديجة رضي الله عنها، اشتد أذى قريش، وضاقت مكة بالدعوة، فالبلاغ وحده لم يعد كافياً، وإقامة الإسلام في واقع الناس يحتاج إلى قوة تحميه وسلطان ينصره. هنا بدأ العمل السياسي الواعي، الذي عرف في كتب السيرة بـ"طلب النصرة".

 

خرج النبي ﷺ إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، فلم يطلب منهم مالاً ولا جاهاً، بل طلب أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، حتى يبلّغ رسالة ربه. لكنهم ردّوا عليه رداً قاسياً، وسلّطوا عليه سفهاءهم. عاد ﷺ إلى مكة، لكن الفكرة لم تتوقف؛ بل بدأ في مواسم الحج يعرض نفسه على قبائل العرب، يطوف على بيوتهم وخيامهم، يدعوهم إلى الإسلام، ويطلب منهم النصرة والمنعة.

 

روت كتب السيرة أنه ﷺ عرض نفسه على أكثر من عشرين قبيلة، منهم: بنو عامر بن صعصعة، بنو شيبان، بنو بكر بن وائل، كندة، بنو حنيفة، بنو مرة، بنو عبس، وغيرهم. لم يكن العرض دعوة روحية مجردة، بل عرضاً واضح المعالم: الإيمان بالله وحده، وترك عبادة الأصنام، ومنحه ﷺ الحماية لبلاغ الرسالة وتطبيق الإسلام.

 

من أشهر المواقف ما جرى مع بني عامر بن صعصعة. جلس إليهم ﷺ ودعاهم إلى الله عز وجل، وطلب منهم النصرة. فسأله رجل منهم يُقال له بيحرة بن فراس سؤالاً صريحاً: "أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟" كان السؤال عن السلطة بعده ﷺ، ولم يكن سؤالا مجحفا فالتبعات في هذا الطريق عظام فجاء الرد النبوي حاسماً: «الْأَمْرُ إِلَى اللهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». فلما علموا أن النصرة ليست طريقاً إلى وراثة الحكم، رفضوا. كانوا يريدون صفقة سياسية، بينما كان ﷺ يطلب نصرة خالصة للدين لا مطمع فيها.

 

وفي موقف آخر، عرض نفسه ﷺ على بني شيبان بن ثعلبة، وكان فيهم المثنى بن حارثة وهانئ بن قبيصة. أعجبهم كلامه، وقالوا إنهم أصحاب قوة ومنعة، لكنهم مرتبطون بعهد مع كسرى، ولا يريدون أن ينقضوه، واقترحوا أن ينصروه مما يلي بلاد العرب دون مواجهة فارس. فبيّن لهم ﷺ أن هذا الدين لا يقبل التجزئة، وأن النصرة المطلوبة شاملة لا منقوصة، وأن من ينصره يجب أن يتحمل تبعات المواجهة كلها. فاعتذروا بأدب، ولم تتم النصرة.

 

كذلك كان موقف بني حنيفة شديداً في الرفض، حتى وصف بعض أهل السيرة أنهم كانوا من أقسى القبائل رداً عليه ﷺ. ومع ذلك استمر في الطواف والعرض عاماً بعد عام، بلا يأس ولا مساومة على جوهر المشروع.

 

ثم جاءت العقبة. التقى ﷺ نفراً من الخزرج، فاستمعوا وآمنوا، ثم عادوا في العام التالي ومعهم غيرهم، حتى تمت بيعة العقبة الثانية، حيث بايعه الأنصار على السمع والطاعة، وعلى أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم. هنا تحققت النصرة التي بحث عنها ﷺ سنين. لم يسألوه عن الملك بعده، ولم يشترطوا حدوداً جغرافية للنصرة، بل بايعوه على حماية الدعوة كاملة، وتحمل تبعات الصراع مع العرب والعجم.

 

هنا تنكشف جملة من الدروس السياسية العميقة: أولها أن إقامة الدين في المجتمع تحتاج إلى قوة تحميه، وأن مجرد الاقتناع الفكري لا يكفي دون سلطان. ثانيها أن النصرة ليست تحالف مصالح، بل التزام مبدئي شامل. وثالثها أن العمل لإقامة الدولة مرّ بمراحل واضحة: دعوة فكرية، ثم تفاعل مع المجتمع، تزامنا مع طلب النصرة من أهل القوة والمنعة، إلى إقامة كيان فعلي في المدينة.

 

عند ربط هذا بالواقع، نجد أن كثيراً من الحركات أو المشاريع الإصلاحية تتعثر لأنها إما أن تكتفي بالوعظ دون السعي لوجود يحمي أفكارها، أو تدخل في صفقات تُفرّغ مشروعها من مضمونه. كما أن بعض القوى تتعامل مع الدين كأداة للوصول إلى الحكم، لا كمنهج يُقام كاملاً، فتسأل - كما سأل بنو عامر - عن نصيبها من السلطة قبل أن تثبت صدقها في النصرة.

 

طلب النصرة في السيرة لم يكن اندفاعاً عاطفياً، بل واجبا وعملاً سياسياً واعياً منضبطاً بالوحي، يوازن بين الثبات على المبدأ والمرونة في الوسائل، دون تنازل عن جوهر المشروع. لقد طاف النبي ﷺ على القبائل سنوات، وواجه الرفض تلو الرفض، لكنه لم يُخفف من مضمون دعوته، ولم يقبل نصرة مشروطة تُفرّغ الإسلام من شموليته.

 

وهكذا فإن فهم هذه المرحلة يعيد تشكيل نظرتنا لمسألة التغيير: فالدعوة تحتاج إلى حاضنة تحميها، والمشروع يحتاج إلى قوة تسنده، والنصرة ليست شعاراً بل التزام يتحمل كلفته من يقدمه. ومن يتأمل طواف النبي ﷺ على بيوت العرب يدرك أن بناء الدولة لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة صبر طويل، ووضوح في الرؤية، وثبات على المبدأ حتى تهيأت البيئة الصادقة التي قالت: "علام نبايعك؟" فلما عرفت الثمن قالت: "ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل".

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع