الأربعاء، 08 رمضان 1447هـ| 2026/02/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أهمية التفكير في سبيل التغيير

 

مضت سنون طوال والأمة الإسلامية تعيش أسوأ حقبات التاريخ التي مرت عليها منذ نشأتها؛ حقبة رزحت فيها ولا تزال ترزح تحت وطأة الذلّ والهوان والتفرقة والتبعيّة بل وتحيا فيها حياة تعيسة لا تليق بها أساسا كخير أمّة أخرجت للناس.

 

لقد كان وما زال أمام الأمة خياران اثنان لا ثالث لهما؛ فهي إمّا أن تذهب في درب ترضى فيه بواقعها وتواصل فيه استسلامها وخضوعها وخنوعها، وإمّا أن تغيّر طريقها وتتخيّر سبيل عودتها لمجدها وعزّتها! مع العلم أنّ خيار الرضا بالواقع ومحاولة التأقلم معه والانصهار فيه هو إيذان بموت الأمة البطيء ومواصلة الانحدار والسقوط والتدحرج من أعلى القمة إلى الحضيض!

 

قال الشيخ العلامة تقي الدين النبهاني رحمة الله في كتابه "التفكير": "والتفكير بالتغيير ضروري للحياة؛ لأن ركود الحياة والاستسلام للأقدار هو من أخطر الآفات التي تجعل الشعوب والأمم تنقرض وتندثر مع الأحداث والأيام؛ ولذلك كان التفكير بالتغيير من أهم أنواع التفكير".

 

ولقد جربت الأمة فعلا ردحا من الزمن ما تحدثنا عنه من استسلام وانغماس في الواقع ومحاولة ترقيعه إلى غير ذلك من أمور ولكن كل ذلك زاد من مآسيها وذلّها وهوانها وبقيت تتقاذفها أمواج عاتية تهوي بها كل مرة من ساحق إلى سحيق! ثمّ قامت بعد ذلك تتلمس طريقا ثانية ولكنّها لم تفكر ولم تختر دربا يوصلها لمبتغاها كما لم تحدد هدفها والغاية التي ترجوها فلم تتمكنّ من تحقيق تغيّر حقيقي ينهض بها!

 

لذا وجب على الأمة التنبّه قبل الاختيار أوّلا إلى خطر الواقعيّة والقبول بالوضع الراهن ومحاولة التعايش مع الانحطاط، فهذا كما أسلفنا يعني إمضاءها على شهادة وفاتها بيديها وقبولها ببقائها في غرفة الإنعاش ميتة غير حيّة، ولولا بعض الأجهزة الطبيّة لانتهى أمرها سريريّا.

 

إنّ التسليم بالأمر الواقع والخضوع له والسماح للعقول بالتلبدّ والخمول وعدم التفكير في طوق النجاة بل ومحاولة الانصهار في الواقع والتأقلم معه ما هو إلا خيار الضعفاء الذين يفرّون من قلب المعركة ويقبلون على أنفسهم الانبطاح وأخذ وضعيّة الدفاع، بل وأكثر من ذلك مصالحة الخصم والتذلل له وهو يواصل هجماته وضرباته دون هوادة!! فالأمر محسوم في تلك الوضعية، والهزيمة ملحقة حتما بل والضربة القاضية هي مسألة وقت فقط!

 

أمّا الدرب الثاني درب المواجهة فهو الدرب المحفوف بالأشواك، درب التململ والنهوض؛ فبعد الإحساس ببشاعة الوضع الذي تحياه الأمة كان لزاما عليها السعي لوقف الانحدار بل وتلمس سبيل قيام المارد من جديد! ولقد حاولت فعلا ذلك مرارا ولكنّ تحركها كان عشوائيا بادئ الأمر إذ لم تفكر جيّدا قبل السير ولم يكن تحركها قائما على أساس فكري متين وبحث ودراية، فكان أشبه بالتخبط ولم يتغير الواقع المأساوي! فكانت نشأة الجماعات الإسلامية غير المبدئية والدعوات القومية، بل وحدثت أيضا ثورات الربيع العربي ولكن نتيجة أنّ السعي للتغيير لم يكن نابعا من فكر صحيح مبلور وبحث عميق ولم تحدد معه الغايات والأهداف، لم يحصل المنشود ولم يوصل إلى المرغوب!

 

إنّ ما على الأمّة التنبه له ثانيا بعد تنبهها أنّ درب الاستسلام والرضا بالواقع يعني انتحارها وتلاشيها مع الوقت، أنّ عليها التفكير جيّدا في سبيل نهضتها وتبني مشروع كامل مبلور عندها وتحديد غايتها وهدفها قبل المسير ضماناً لعدم تنكبها عن دربها وكي لا يكون تحركها كحركات المذبوح يمنة ويسرة على غير هدى! إن التفكير العميق والمستنير يؤدي للوصول إلى أنّ المشروع الوحيد القادر على تغيير حال الأمة الإسلامية اليوم وعودتها إلى سالف عهدها وأوج قوّتها هو المشروع الإسلامي فقط، ولكننا لا نتحدث هنا عن مجرد شعارات جوفاء عاطفية نابعة من حنيننا للماضي وحسب بل نتحدث عن المشروع الكامل المتكامل الذي لا يغفل عن أيّ تفصيل، الأساس الفكري المتين الذي تنبثق عنه المعالجات والمفاهيم والقناعات والذي يؤكد لنا تاريخنا المشرق أنّه كان سبب ازدهارنا ورفعتنا ونهضتنا في السابق وسيكون جزما سبب نهوضنا من جديد!

 

إنّ مشروع التغيير عندما يُبدأ فيه من الأساس يكون متينا ضاربة جذوره في الأرض فيتبنّاه مجموعة من الأفراد الواعين ويحملونه بقوّة ويعقدون العزم على تغيير حال الأمّة ووضعها المريع من خلاله؛ بتغيير المقاييس والمفاهيم والقناعات لديها وتذكيرها بحقيقتها ودورها، فالتفكير بالتغيير يوجد ابتداء عند أفراد ثمّ تتأثر به الأمّة وتتبناه بدورها لتسير على بيّنة من أمرها مدركة وجهتها وغايتها ومقدّمة كل التضحيات اللازمة لضمان نجاح مشروع نهضتها.

 

إنّ طريق النهضة محفوف بمخاطر كثيرة وتعترضه عقبات عديدة، لذلك كان الفكر الصحيح هو بوصلة الأمة التي تهديها للاتجاه المناسب وتوصلها إلى هدفها الأخير، فكان بالأهميّة بمكان وعي الأمة أنّ العقيدة الإسلامية هي الأساس الفكري الذي يجب أن تقيس به كل فكر والمقياس الأساسي الذي تقيس به كل المقاييس والقناعة الوحيدة الذي تردّ بها غيرها من قناعات.

 

لقد جربت الأمة مرات ولم تنجح وكانت إرادة تغييرها بالإسلام ظاهرة في إيصالها الجماعات الإسلامية المعتدلة للسلطة في تونس ومصر وفي مطالب الثورة السورية وغير ذلك، ولكن عدم تبني المشروع الإسلامي بكل ملامحه الواضحة جعلها تخفق ولا تصل لمبتغاها، فحريّ بها أن تتعلم من تجاربها وتبحث وتفكر وتمحص وتبلور المشروع عندها لكي تنجح المرة القادمة وتصل برّ الأمان!

 

إنّ في الأمة أفرادا كثيرين انكبوا على دراسة الإسلام بعمق وردّوا الشبهات ونقّوا المفاهيم وأصّلوا المشروع الإسلامي وفصّلوه، ووضعوا بين يدي أمتهم سبيل نهضتها على طبق من ذهب، فهلاّ وعى المسلمون بذلك فتبنّوه وتحركوا بوعي وثقة فأرضوا الله عزّ وجلّ ليعودوا خير أمّة أخرجت للنّاس.

 

إنّ على الأمة الإسلامية أن تلتف حول المخلصين من أبنائها فتتحرك معهم حركة واحدة منتجة تطيح بهؤلاء الحكام وتقيم بها دولة الإسلام فهي الوحيدة القادرة على وضعهم في مسار النهضة الحقيقي.

 

إنّ الإسلام هو المبدأ الصحيح الوحيد الذي طلب منّا الله أن نحيا به ونرعى به شؤوننا وننظم به أمورنا، فإقامة دولة تضع أحكام الإسلام موضع التطبيق هو السبيل العملي الوحيد لكي تنبثق المعالجات من العقيدة الإسلامية الكامنة في قلوب وعقول المسلمين فتصوغ المجتمع المسلم المتميّز والفريد من نوعه وغيرها من المعالجات، طبعا سيجعل الصدام موجودا دائما بين ما وقر في الصدور من بذرة العقيدة وبين القوانين الوضعية ويحول دون تحقيق التغيير المنشود والنهضة المرجوّة!

 

فيا أمة الإسلام: ها هو حزب التحرير دعاك ولا يزال يدعوك لما فيه مرضاة ربّك وعزّك، دعاك ولا يزال لتفكري وتدركي سبيل خلاصك وتعضّي بنواجذك على الإسلام دون غيره، دعاك وقدّم لك دستور الإسلام كاملا مفصلاً على طبق من ذهب، ولا يزال يدعوك ويدعوك لما فيه عزّ الدنيا والآخرة... فهلا أجبت والتففت حوله فنهضت ونفضت عنك غبار الوهن، هلا أجبته وعدت لسالف عهدك شاهدة على كل الأمم فتطوى صفحة الذلّ والهوان؟! وإننّا على يقين أنّ إجابتك أقرب من أيّ وقت مضى.

 

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منة الله طاهر

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير

 

#TrueVision4Change

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع