الأحد، 05 رمضان 1447هـ| 2026/02/22م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

انتشار الإسلام: دولة تحمل الدعوة لا إمبراطورية تفرض سلطانها

 

عند التأمل في تاريخ انتشار الإسلام، يتبيّن أن المسألة لم تكن حركة روحية مجردة، ولا تمدداً عسكرياً تقليدياً على نمط الإمبراطوريات، بل كانت فعل دولة قائمة على عقيدة محددة، تحمل دعوة عالمية، وتبسط سلطانها لإقامة أحكام الإسلام في واقع الحياة. فالإسلام منذ أن أُقيمت دولته في المدينة لم يبق دعوة فردية، بل أصبح مبدأً يقود كياناً سياسياً منظماً، يملك جيشاً، وبيت مال، ونظام قضاء، وسلطة تنفيذية، ويتحرك بسياسة خارجية واضحة.

 

من الخطأ اختزال انتشار الإسلام في "قوة الفكرة" بمعزل عن الدولة، كما أنه من الخطأ تصويره كإكراه بالسيف. الحقيقة أن الذي حمل الإسلام إلى الأمم هو دولة الخلافة، التي جمعت بين الدعوة والقوة، فجعلت الجهاد وسيلة لإزالة الأنظمة التي تحول بين الناس وبين سماع الإسلام والخضوع لسلطانه. لم يكن الهدف إجبار الناس على اعتناق الإسلام، بل إدخال بلادهم في سلطان الدولة الإسلامية، ليُحكموا بأحكام الإسلام، ويُترك لهم الخيار في الدخول في الدين أو البقاء على عقائدهم ضمن عقد الذمة.

 

في الجزيرة العربية، بقي الإسلام دعوة مضطهدة حتى أُقيم له سلطان، فلما قامت الدولة في المدينة، بدأت مرحلة جديدة؛ من تنظيم المجتمع بأحكام الشريعة، ثم التحرك خارج الحدود. هذا التحول يبيّن أن الإسلام لا يكتفي بإصلاح الفرد روحياً، بل يوجب إقامة كيان سياسي يطبّق الأحكام ويحمل الدعوة. ومن دون هذا الكيان، تبقى الدعوة محاصَرة ضمن حدود ضيقة.

 

عندما خرجت جيوش المسلمين إلى الشام والعراق ومصر، لم تكن عصابات مقاتلة تبحث عن غنيمة، بل جيوش دولة يقودها خليفة ببيعة شرعية، وتتحرك ضمن رؤية سياسية منبثقة عن العقيدة. كانت الرسالة واضحة: إزالة سلطان الروم والفرس، وإقامة سلطان الإسلام مكانه. فالأنظمة القائمة آنذاك كانت تمنع الناس من اختيار الإسلام، لأنهم كانوا خاضعين لسلطان يشرّع من عند نفسه، فجاء الإسلام ليُخضع الأرض لحكم الله، ويجعل السيادة للشرع بدلاً من القيصر أو كسرى.

 

انتشار الإسلام في تلك البلاد لم يتحقق لأن المسلمين قدّموا نموذجاً أخلاقياً فحسب، بل لأنهم أقاموا نظاماً شاملاً فيه قضاء عادل، ونظام مالي منضبط، ورعاية لشؤون الرعية وفق أحكام محددة. الزكاة لم تكن صدقة عشوائية، بل فريضة تُجبى وتُصرف وفق نصوصها. الخراج لم يكن استنزافاً، بل تنظيماً لملكية الأرض بما يحقق مصلحة الأمة. والقضاء لم يكن خاضعاً للحاكم بالمعنى الرأسمالي، بل يحتكم إلى الكتاب والسنة. هذا التطبيق العملي جعل الناس يرون أثر الإسلام في حياتهم اليومية، فدخل كثير منهم في الدين طواعية بعد أن عاشوا في ظل حكمه.

 

ومن المهم إدراك أن الإسلام لا يفصل بين الدعوة والسياسة؛ فحمل الدعوة إلى العالم جزء من وظيفة الدولة، والجهاد ليس رد فعل عاطفياً، بل سياسة خارجية مستمرة لإدخال الشعوب في سلطان الإسلام. لذلك لم يكن انتشار الإسلام عملية عشوائية، بل مساراً منظماً قادته دولة موحدة تحت إمام واحد. ووحدة الكيان السياسي كانت عاملاً حاسماً؛ إذ تحركت الأمة بقرار واحد، وجيش واحد، وراية واحدة.

 

إذا نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم، نجد أن غياب الدولة الجامعة هو الفارق الجوهري. فالدعوة موجودة، والمشاعر الإسلامية حاضرة، لكن لا يوجد كيان سياسي يوحّد الأمة ويطبق الإسلام تطبيقاً شاملاً ويحمله إلى العالم. والدول القائمة اليوم كيانات قطرية نشأت على أساس غير إسلامي، تفصل السياسة عن الدين، وتستمد قوانينها من نظم وضعية. في مثل هذا الواقع، يصبح الحديث عن "انتشار الإسلام" حديثاً دعوياً محدود الأثر، لأنه يفتقد الحامل السياسي الذي يجعله قوة مؤثرة في ميزان العالم، ويجعل لأحكامه بعد تطبيقها واقعا عمليا متجسدا يراه الناس.

 

التاريخ يثبت أن الإسلام حين كانت له دولة، انتشر في آسيا وأفريقيا وأوروبا، ليس لأن المسلمين كانوا أكثر عدداً أو عتاداً دائماً، بل لأنهم كانوا يملكون مشروعاً سياسياً واضحاً يقوم على عقيدة، ويجعل السيادة للشرع، ويعتبر حمل الدعوة وظيفة أساسية. وحين ضعفت الدولة ثم أسقطت الخلافة، انحسر الامتداد السياسي للإسلام، وبقي حضوره في حدود المجتمعات لا في إطار سلطان جامع.

 

إن انتشار الإسلام في حقيقته مرتبط بإقامة دولة الخلافة التي تطبّق الإسلام كاملاً وتحمله رسالةً إلى العالم. فالفكرة وحدها، مهما كانت عظيمة، تحتاج إلى كيان يجسدها في واقع الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع. وعندما يوجد هذا الكيان، تتحول العقيدة إلى نمط عيش ونظام حياة، وتتحول الدعوة إلى قوة تغيير عالمي.

 

الدرس الواضح أن الأمة لا تستعيد دورها العالمي بالوعظ المجرد، ولا بالإصلاح الجزئي داخل أنظمة قائمة على غير الإسلام، بل بإعادة إقامة الكيان السياسي الذي يجعل الإسلام أساس الحكم، ويستأنف الحياة الإسلامية كاملة، ثم يحمل هذا النور إلى العالم كما حمله أسلافها من قبل.

 

يوم قامت الدولة، انتشر الإسلام سلطاناً ونظاماً، ويوم غابت، تراجع حضوره السياسي. وبين الأمرين تتحدد مهمة الأمة في حاضرها ومستقبلها.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع