- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
إيران بين الردع الإقليمي والضغط الدولي
معادلة القوة وحدود الاحتمال؟
في جغرافيا مشتعلة تتقاطع فيها المصالح الكبرى مع الحسابات القديمة، تقف إيران في قلب عاصفة سياسية وأمنية لا تهدأ. فمنذ الثورة عام 1979، لم تكن إيران مجرد دولة إقليمية تسعى إلى تثبيت نفوذها، بل تحولت إلى لاعب مركزي في معادلة الشرق الأوسط، يمد نفوذه من الخليج إلى البحر المتوسط، ويضع نفسه في خدمة مخططات الولايات المتحدة مع إظهار صورة العداء لها.
تعيش إيران منذ أكثر من عقدين حالة شد وجذب معقدة بين توسع نفوذها الإقليمي وتصاعد الضغط الدولي عليها. فبينما رسخت حضورها السياسي والعسكري في عدد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط، واجهت في المقابل عقوبات اقتصادية وعزلاً دبلوماسياً متزايداً.
ومنذ عام 2003، ومع سقوط نظام صدام حسين في العراق، بدأت ملامح نفوذ إيران تتصاعد في المنطقة، معتمدة على استراتيجية تقوم على دعم الحلفاء المحليين والخارجيين، سواء عبر الدعم السياسي أو الاقتصادي أو العسكري.
فتمدد نفوذها في العراق كقوة سياسية وفصائل عسكرية بدعم أمريكي غير معلن، وفي سوريا دعمت نظام بشار الأسد إبان الثورة، كما عززت نفوذها في لبنان عبر دعم حزبها هناك، وفي اليمن عبر دعم الحوثيين. وقد منحها هذا الامتداد أوراق ضغط استراتيجية، ورسّخ ما يعرف بمحور المقاومة، فأصبح له تأثير في موازين القوى الإقليمية، وفرض نفسه لاعباً لا يمكن تجاهله في أي تسوية تخص الشرق الأوسط.
لكن مع تغير السياسة الأمريكية في المنطقة، تبدل المشهد؛ فتم تقليم أذرع إيران الخارجية، واغتيال عدد من شخصياتها البارزة في الخارج، وإغلاق ملفات كبرى باغتيال من كان مسؤولاً عنها، واختفت معالم تلك الملفات بوفاة رئيسها إبراهيم رئيسي. كما بدأ استهداف قيادات إيرانية في ضربات متلاحقة، وتزايد الضغط الدولي عليها بسلسلة عقوبات مرتبطة ببرنامجها النووي، خاصة منذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 في ولايته الأولى. وهنا تحديداً ظهرت نقطة التحول، إذ أعادت أمريكا فرض عقوبات مشددة استهدفت قطاعي النفط والمصارف.
ومع بصيص الأمل في محاولة إحياء الاتفاق في عهد جو بايدن، بقيت المفاوضات متعثرة، بينما استمرت إيران في رفع نسب تخصيب اليورانيوم، ما زاد المخاوف الغربية ورفع احتمال المواجهة غير المباشرة.
وقد زادت العقوبات من معاناة الاقتصاد الإيراني، وظهر أثرها داخلياً عبر تراجع العملة وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، ما أدى إلى احتجاجات متكررة تعكس ضغوطاً مجتمعية متزايدة.
وتعتمد القيادة الإيرانية على معادلة دقيقة قوامها تعظيم المكاسب الإقليمية لتعويض الخسائر الاقتصادية، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية. غير أن استمرار العقوبات يفرض تحدياً بنيوياً على الاقتصاد، في حين إن الانخراط العميق في صراعات المنطقة يحمّل إيران أعباء مالية وسياسية متزايدة، ما جعلها في بعض المراحل تقبل بتخفيف حضورها في بعض الساحات تحت وطأة الضغوط.
واليوم يعيش الداخل الإيراني مرحلة معقدة في ظل استمرار الضغوط الخارجية وتزايد الضغوط الاقتصادية. كما أن المشهد السياسي الداخلي يشهد تغيرات، خاصة أن النظام قائم على توازن بين مؤسسات منتخبة وأخرى غير منتخبة؛ فقد تراجع حضور التيار الإصلاحي وتصاعد نفوذ التيار المحافظ، ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في نسب المشاركة الانتخابية، وهو ما يعكس فتوراً شعبياً نسبياً تجاه العملية السياسية.
كما شهدت إيران في الفترة الماضية موجات احتجاجية متكررة، وبغض النظر عن الجهات المحركة لها، فإن الشارع يبدو مهيأً للاحتقان نتيجة الفجوة بين الشباب والسلطة، وتطلع الشباب إلى الحريات الفردية، وتأثير وسائل التواصل الإلكتروني، وتفاقم الحالة الاقتصادية. ومع كل تحرك، ينجح النظام حتى الآن في الحفاظ على معادلة الاستقرار عبر أدوات أمنية وعسكرية وخطاب تعبوي يركز على مقاومة الضغط الخارجي.
وفي مواجهة هذا الضغط، كثفت إيران انفتاحها على الشرق، وتجلى ذلك في علاقاتها مع الصين ضمن شراكة استراتيجية طويلة الأمد تشمل الطاقة والبنية التحتية، ومع روسيا عبر تعاون سياسي وعسكري، خاصة في ملفات إقليمية ودولية، كما انضمت إلى تكتلات غير غربية مثل منظمة شنغهاي، ما وفر لها متنفساً سياسياً واقتصادياً.
في المقابل، لا تسعى أمريكا إلى خنق إيران بشكل كامل، بل إلى ضبط برنامجها النووي والصواريخ الباليستية بعيدة المدى. فهي تراهن على الضغط الاقتصادي والسياسي لإجبارها على تقديم تنازلات، مع الحفاظ على تفوق حلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم كيان يهود الذي يحرص على تفوقه العسكري والنووي.
ويميل كيان يهود إلى إدارة الصراع عبر ما يسمى "العمليات بين الحروب"، أي ضربات محدودة سيبرانية أو جوية أو بحرية، ترفع كلفة التموضع الإيراني دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة. أما أمريكا فتعطي أولوية لمنع الانتشار النووي، لكنها تتجنب حرباً شاملة، وإن كانت لا تستبعد ضربة محدودة محسوبة لزيادة الضغط.
ويكمن الخلاف بين أمريكا وكيان يهود في سقف المخاطرة؛ فكيان يهود يدفع نحو خيار القوة الوقائية، بينما تترك أمريكا الباب مفتوحاً أمام اتفاقيات مؤقتة أو تفاهمات مرحلية، حفاظاً على توازن أوسع في المنطقة.
ولكيان يهود أدوات ضغط داخل أمريكا، أبرزها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، التي تؤثر في الكونغرس عبر الدعم السياسي والضغط التشريعي، ولها تحالفات قوية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتستخدم خطاباً أمنياً يربط أمن كيان يهود بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. غير أن هذه الأدوات لا تفرض قرار الحرب، فالقرار الأمريكي يبنى أولاً على حسابات المصالح القومية الأمريكية.
وقد تلجأ أمريكا إلى ضربة قصيرة محدودة إذا رأت أن أدوات الضغط الدبلوماسي لم تعد كافية، على أن تكون محسوبة بدقة: كضربة جوية محدودة، أو صراع بحري، أو هجوم سيبراني، مع تحرك دبلوماسي سريع في مجلس الأمن، وتفعيل وساطات منذ اليوم الأول، وربما محاولة زيادة الضغط الداخلي على النظام الإيراني.
وفي النهاية، تبقى إيران في قلب معادلة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتداخل خطوط الردع مع حسابات الهيبة، وتتقاطع المصالح الكبرى مع اعتبارات الداخل المثقل بالتحديات.
ليست المسألة سؤال حرب أم سلام فحسب، بل توازن دقيق بين القوة والكلفة، بين الطموح والقدرة، وبين الرسائل العسكرية وإشارات الدبلوماسية الخفية.
وتدرك أمريكا أن أي خطوة غير محسوبة قد تشعل رقعة تتجاوز الحسابات التقليدية، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة واستقرار المنطقة بأسرها.
لذلك يبقى المشهد أقرب إلى شدّ الحبل فوق الهاوية، حيث يختبر كل طرف صبر الآخر دون أن يقطع الخيط بالكامل.
ولا يبدو المستقبل مرسوماً بخط مستقيم، ويبقى السؤال مطروحاً: هل ينتصر منطق الردع البارد، أم تتغلب لحظات الانفعال على حكمة الحساب؟
فتحولات الشرق الأوسط لا تصنعها النوايا وحدها، بل موازين القوى وتغيراتها وحدود الاحتمال، وقدرة الحاضنة الشعبية على قلب الطاولة في أي لحظة إذا ما تبدلت المعادلات.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



