الثلاثاء، 15 شعبان 1447هـ| 2026/02/03م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

من الأحادية القطبية إلى الفوضى المُدارة

الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة

 

 

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وجدت الولايات المتحدة نفسها القوة العظمى الوحيدة في النظام الدولي، لكنها دفعت ثمن هذا التفرد باهظاً. فقد أدّى اعتمادها نموذج القطبية الأحادية، وتفرّدها في إدارة الأزمات العالمية، إلى استنزاف اقتصادي ومالي متراكم، ساهم في تسريع وتيرة الأزمات والانهيارات داخل النظام الرأسمالي نفسه.

 

وفي محاولة لاحتواء هذا المسار، سعت إدارة الرئيس باراك أوباما، مدعومة بمراكز التفكير والنخب السياسية، إلى إعادة صياغة الشراكة مع الحلفاء الأوروبيين، وتخفيف حدّة التوترات الدولية. غير أن هذه المقاربة فشلت في تقليص الأعباء المالية والسياسية التي كانت تتحملها أمريكا، وبقيت هي اللاعب الأكثر إنفاقاً وتحمّلاً لتكاليف النظام العالمي.

 

ومع وصول إدارة ترامب الأولى، تغيّر الأسلوب لا الهدف. فقد انتهجت واشنطن سياسة أكثر صدامية، قائمة على الضغط المباشر، مطالبة أوروبا - الحليف التاريخي - بتحمّل نصيب أكبر من تكاليف حلف الناتو، كما طالبت الدول الواقعة تحت المظلّة الأمريكية بالمشاركة في أعباء أمنها وحمايتها. وفي الوقت ذاته، فتحت أمريكا مواجهة اقتصادية وسياسية مع الصين، متهمة إياها بالتلاعب المالي والتجاري. ولإحكام هذه المواجهة، حاولت التقارب مع روسيا بهدف تحييدها، لكنها فشلت في دفع أوروبا إلى الاصطفاف الكامل خلف رؤيتها. أما الصين، فقد تعاملت ببراغماتية عالية، معلنة صراحة أنها لا تسعى إلى حرب اقتصادية باردة مع أمريكا، مع الاستمرار في تعزيز قوتها الإنتاجية والتكنولوجية.

 

ومع إخفاق إدارة ترامب الأولى في تحقيق أهدافها الكبرى، جاءت إدارة بايدن بمقاربة أكثر تعقيداً. فقد نجحت باستدراج روسيا إلى حرب مفتوحة مع أوكرانيا، ما أدخل أوروبا في سلسلة أزمات اقتصادية وأمنية خانقة، استنزفت قدراتها وأضعفت استقلال قرارها، وفي الوقت نفسه استنزفت روسيا وحدّت من نموها المتسارع. وأعادت أمريكا تحريك ملف تايوان، ورفعت منسوب الاستفزاز السياسي والعسكري تجاه الصين.

 

أما داخلياً، ولمواجهة مخاطر الانهيار الاقتصادي، فقد لجأت أمريكا إلى ضخ كميات غير مسبوقة من الدولار في الأسواق، في خطوة أدّت إلى تضخم مالي واسع، له تداعيات طويلة الأمد على الاقتصاد العالمي.

 

ثم جاءت التطورات الصحية لبايدن في مرحلة مفصلية، لتفتح الباب أمام عودة ترامب إلى المشهد السياسي، ومنحه فرصة جديدة لاستكمال مشروعه. ومع هذه العودة، تصاعدت حدّة المواجهة مع الصين وأوروبا، بالتوازي مع مغازلة روسيا لتحييدها عن الصراع المركزي، بل وطرحها كشريك شكلي أو "ضامن سلام" في الشرق الأوسط.

 

في المقابل، تحاول أوروبا اليوم البحث عن مخرج من حالة الاستنزاف، وأن تجد لنفسها مكانة دولية بدل التبعية السياسية لأمريكا، بينما تخرج الصين من صمتها، ملوّحة بالدفاع عن نفسها عسكرياً إذا اقتضت الضرورة.

 

وبينما انشغلت أوروبا وروسيا بالحرب في أوكرانيا، تحركت أمريكا بسرعة لإعادة رسم ملامح ما تسميه "الشرق الأوسط الجديد"، وفق رؤية أمريكية تستبعد التأثير الأوروبي والروسي عن صياغته، وتهدف في جوهرها إلى تطويق الصعود الاقتصادي الصيني وما هو أبعد من هذا وهو إبعاد شبح عودة الإسلام كمبدأ عالمي. وفي هذا السياق، دعمت علمنة المجتمع في السعودية والخليج، وإبعاد الإسلام والإسلاميين. وحركت ملف إيران وهيكلة نظام الملالي المتمسح بالإسلام إلى نظام علماني، وإبعاد أي قوى إسلامية أو ذات توجه إسلامي في المنطقة ككل.

 

ويبقى السؤال الحقيقي: هل ستنجح واشنطن في تحقيق أهدافها؟ وما السبيل للخروج من هذه الأزمات الدولية؟

 

الإجابة لا تتوقف على الإرادة الأمريكية وحدها، بل على ردود أفعال القوى الدولية، وما ستقوم به الأحزاب والتيارات السياسية العالمية لتعطيل هذه السياسات ذات الطابع الاستعماري. كما تعتمد بدرجة أكبر على قدرة الأمة الإسلامية على استعادة وعيها، وبناء قوتها، ومنع الظلم العالمي، وكسر هيمنة المبدأ الرأسمالي الاستعماري، واستبدال عدل الإسلام ورحمته به.

 

فالأمة الإسلامية تمتلك قوة المبدأ والعقيدة، التي متى فُعّلت تجعلها أمةً لا تُقهر، وحاملةً لرسالة العدل والرحمة والخير للعالم. وما جرى في غزة شاهد حيّ على ذلك؛ إذ يعيد التذكير بأن المسؤولية جماعية، وأن النصر مرهون بوحدة الصف وتكامل الجهود، لا بتشتتها. حينها، ينظر الله إلى القلوب، فيهيئ للنصر والعزة والتمكين وما ذلك ببعيد.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سامر دهشة (أبو عمر)

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع