الثلاثاء، 08 شعبان 1447هـ| 2026/01/27م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قدرةُ الأمّة على إقامة دولة

 

(مترجم)

 

شهد عام 2025 الانهيار الحتمي للنّظام العالمي الذي يقوده الغرب. فالنظام "الحديث" ذو النزعة الأوروبية المركزية يبدو الآن متقادماً وغير ذي صلة، وعاجزاً عن معالجة الأزمات المتعدّدة. وشهد ذلك العام موجات من الاحتجاجات التي قادها جيل الألفية ضدّ السلطات السياسية في دول عديدة، ما أدّى إلى تعميق الانقسامات الوطنية، واتساع الفجوة بين الأجيال، وتراجع الاقتصاد، وانتشار التّشرذم الاجتماعي والاقتصادي. هذا التوجّه يطرح سؤالاً جوهرياً: ما الذي يجعل الأمة متماسكة وموحّدة وقويّة في بناء الدولة؟ وهل يمتلكُ المسلمون سمات تمكّنهم من بناء نظام سياسي مستقر؟

 

للإجابة على هذا السؤال، يجب على المسلمين إعادة تقييم هويتهم والأحكام الإسلامية التي تحدّدُ دورهم في الحياة الدنيا. هل المسلمون مجرد جماعة تربطها صلة قرابة أو عرق أو وطن، أم أنهم كيان سياسي موحّد بالرسالة التي جاء بها النبي ﷺ؟ من خلال إدراك هويتهم الحقيقية ودينهم، يستطيع المسلمون تمييز المفاهيم الدّخيلة التي أدخلتها الدول الاستعمارية، وتقييمها وفقاً للعقيدة الإسلامية ومعايير الحلال والحرام، وبناء حضارة إسلامية راسخة على نهج الهدي النبوي.

 

الدولة المستحيلة للأمة

 

يعيش المسلمون اليوم في ظلّ نظام دولة غاب حكم الله عنها، وغابت هويتهم، وكذلك مفهوم الدولة الإسلامية الحقيقية. يستكشف كتاب وائل حلاق، "الدولة المستحيلة: الإسلام، والسياسة، والمأزق الأخلاقي للحداثة" (2013)، قضيةً عميقةً ومثيرةً للجدل، ألا وهي عدم التّوافق بين الدولة الحديثة والشريعة الإسلامية.

 

ومن المفارقات أنّ العديد من المسلمين ما زالوا عاجزين عن إدراك الفروق الجوهرية بين الدّولة الحديثة والدولة الإسلامية، ما يدفعهم إلى خوض نضالاتهم ضمن إطار الديمقراطية العلمانية.

 

ويجادل وائل حلاق بأن "الدولة الإسلامية الحديثة" مستحيلة من الناحيتين المفاهيمية والأخلاقية، لأنّ الشّكل الحالي للدولة هو نتاج الحداثة الغربية، ومن هنا جاءت تسمية "الدولة المستحيلة". وهو يرفضُ فكرة إمكانية تحقيق الإسلام في ظلّ الدولة الحديثة بصورتها الحالية. ينظر حلاق إلى الحداثة نفسها على أنها إشكالية، مردّداً بذلك ما ذهب إليه عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين في كتابه "نقد الحداثة" (1992)، الذي يرى أن العلمانية - لا العلم والتكنولوجيا فحسب - هي جوهر الحداثة.

 

لذا، فمن الطبيعي ألاّ تُحل مشكلة بيت المقدس في فلسطين، بل سيصبح حلها مستحيلاً، ما دامت حبيسة النظام العلماني. يجب ألا يغيب عن نضال التحرير الفلسطيني الصورة الأوسع لكيفية تشكيل المجتمع المسلم للحياة السياسية والدولة. لا يمكن فصل مشكلة بيت المقدس عن مفهوم الخلافة، المرادف لتنظيم الدولة الإسلامية، والذي أصبح مثالاً سياسياً لكثير من المسلمين. ورغم النظرة السلبية التي تُوجّهُ إليه في الغرب، فإن الخلافة نظام دولة مُحدّد من المسلمين، ويُوجهه المسلمون وحدهم.

 

مفهوم الأمة والوطن

 

عادةً ما تمتلك الأمة ذات الحضارة الراسخة مفهوماً واضحاً للحياة السياسية، مكتملاً بمجموعة قيمها وقواعدها الخاصة. فهل يمتلك المسلمون هذه القدرة؟ نعم، يمتلكونها، إلا أن الكثير منهم يجهلونها لانبهارهم بالأفكار الغربية العلمانية عن الدولة.

 

يُنشئ الإسلام مجتمعاً يقوم على أساس واحد من العقيدة، ألا وهو العقيدة الإسلامية، وعلى أساس واحد من القواعد، ألا وهو الشريعة الإسلامية. وقد أصبحت الحضارة الإسلامية في نهاية المطاف حضارة فريدة، حيث يُمارس أفرادها حياتهم بوحدة في المبادئ القيمية (الفكر) ووحدة في المنهجية العملية (الطريقة).

 

في الأحكام الإسلامية، يُوازي مفهوم الأمة المفهوم الغربي لـ"الوطن" في التقاليد السياسية. تُصوّر الأمة المسلمين كفاعلين مؤثرين في الحضارة، لا مجرّد جماعة موحدة بالعرق والوطن. بل إنها تتجاوز هذه الحدود، لتجسد بُعداً سياسياً عميقاً يرتبط بالقدرة على إقامة الدولة وإدارتها.

 

لكن على النقيض من الغرب العلماني، يرتبط مفهوم "الأمة" ارتباطاً وثيقاً بإقامة الدّين، ورعاية الأرض، والسّعي لتحقيق العدل والرّخاء امتثالاً لأوامر الله. ولذلك، ترتبط "الأمة" ارتباطاً وثيقاً بشؤون أمّة النبي محمد ﷺ، حيث يُقصد بالسياسة في الإسلام تنظيم شؤون الناس في الداخل والخارج.

 

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ جَعَلْنٰكُمْ أُمَّةً وَّسَطاً لِّتَكُوْنُوْا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُوْنَ الرَّسُوْلُ عَلَيْكُمْ شَهِيْداً. بالنسبة للمضبوعين بالغرب، يُعتبر تفسير "أمة وسط" جوهر مفهوم الاعتدال الديني (الإسلام المعتدل). إلا أن هذا فهم خاطئ، إذ وردت ثلاث عشرة رواية تشير إلى أن كلمة "الوسط" تعني "العدل". وذلك لأن العادلين وحدهم هم أهل الاتزان، وهم أهل الخلاص. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾، قال رسول الله ﷺ: «عُدُوْلاً» رواه البخاري والترمذي وأحمد

 

وهكذا، فإنّ عبارة "الأمة الوسط" تعني قوماً مختاراً عادلاً، مجتمعاً عادلاً يلتزم بأحكام الإسلام. هذه الأمة فاعلة سياسياً، وليست مجرد أدوات في صراعات سياسية. إنها أمة مختارة، متنامية باستمرار، موحّدة، قوية، ومتماسكة، تدمجُ الأمم المتنوعة في بوتقة واحدة، محتضنةً الفكر الإسلامي وأساليبه العملية المتميزة.

 

يُعدّ هذا المفهوم محورياً في السّياسة، إذ يجسّد عنصراً أساسياً من قوة الدولة المتأصّلة. تعمل الأمة كأمة سياسية تُشكّل شؤون العالم وفقاً لرؤيتها، فهي قوة سياسية حقيقية. في الإسلام، تُمارسُ السياسة من خلال الدولة والأمة معاً: تُطبّق الدولة هذه المبادئ عملياً، بينما تُشرف الأمة على الدولة وتُرشدها في التمسك بها.

 

إضافةً إلى ذلك، يتحملُ المسلمون، كأمّة، واجب الدعوة الإسلامية إلى البشرية جمعاء. يجبُ عليهم التفاعل مع العالم، مُدركين تماماً لظروفه، ومتفهمين لمشاكله، ومدركين للدّوافع السياسية للدول، ومتيقظين للأنشطة السياسية العالمية. كما يجبُ على المسلمين التدقيق في الخطط السياسية الاستراتيجية للدول، وأساليب تنفيذها، وإجراءاتها الدبلوماسية، ومناوراتها. لذا، فهم بحاجة إلى فهم الديناميكيات الحقيقية للمشهد السياسي في البلاد الإسلامية ضمن السياق الدولي الأوسع.

 

هذا الوعي يمكّنهم من وضع استراتيجيات دقيقة لإقامة دولتهم الفريدة؛ الخلافة، ونشر رسالة الإسلام عالمياً بإذن الله.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فيكا قمارة

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع