الثلاثاء، 08 شعبان 1447هـ| 2026/01/27م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لن ينهي هيمنة الدولار إلا دولة الخلافة

أما منظمة بريكس فأهون من ذلك!

 

أسست أمريكا لنظامها الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وجعلت إحدى ركائزه النظام المالي الذي صممته لتكريس هيمنتها المالية عبر ورقة نقدها الدولار، وأسست لذلك عبر اتفاقية بريتون وودز سنة 1944 ونظام نقدي عالمي جديد، حيث ربطت قيمة الدولار بالذهب بينما ربطت العملات الأخرى بالدولار، ما جعله عملة الاحتياطات النقدية للدول.

 

ثم كانت صدمة نيكسون الاقتصادية سنة 1971 وإنهاء ربط الدولار بالذهب (السياسة المالية التي اعتمدها نيكسون لمعالجة الأزمة المالية الأمريكية التي خلفتها حرب فيتنام)، الصدمة التي عصفت بالعالم عبر تحويل الدولار إلى بديل عن الذهب وجعله النقد المعياري للاقتصاد العالمي.

 

ثم بدأ تدوير الدولار في السوق العالمية عبر اتفاقيات البترودولار وهي اتفاقيات مع دول الخليج لتسعير النفط بالدولار، ما عزز الطلب العالمي عليه بشكل كبير، خاصة من الدول الصناعية الأوروبية ودول آسيا المستوردة للطاقة.

 

ثم كرست أمريكا هيمنة عملتها عبر الأنظمة المالية المعولمة وأصبح معها الدولار الأداة الأساسية في المعاملات المصرفية الدولية، حوالي 55% من القروض والودائع العالمية مقومة به.

 

ومع الأزمات الاقتصادية الدورية الطاحنة التي عرفتها المنظومة الرأسمالية جراء فشلها وإفلاسها، ونتائجها الكارثية على دولتها الأولى أمريكا والتي ترجمتها ديونها الفلكية التي أضحت كابوس الرأسماليين حول استدامة النظام المالي الأمريكي، ثم الممارسات الكارثية الاقتصادية والجيوستراتيجية للإدارات الأمريكية المتعاقبة والتي تفاقمت مع إدارة الرأسمالي ترامب (العقوبات الاقتصادية والمالية وتحول الدولار إلى نقد سام وسلاح للعقوبات، التذبذب السياسي لسعر الدولار صعودا وهبوطا بحسب الحاجة والغاية الأمريكية وتأثيره على اقتصادات الدول، فرض الرسوم الجمركية ضد الحلفاء والخصوم على السواء) التي أدت إلى تآكل هيمنة الدولار في احتياطات نقد الدول وتنامي التحفظات على استمرار الدولار كعملة معيارية مهيمنة ومعه النظام المالي الأمريكي. لكن هذه التحفظات بقيت عقيمة من أي بديل للنظام المالي الأمريكي وورقته الدولار.

 

ثم ظهر العامل الصيني ونموه الاقتصادي المنافس، ومعه طغت سياسة العقوبات الأمريكية لتحجيم الاقتصاد الصيني، وكرد فعل مباشر من الصين على العقوبات والعراقيل الأمريكية جاء تأسيس منظمة بريكس، وللصين تحديدا وروسيا دور محوري في تأسيسها وتأسيس بنك التنمية الجديد الذي يعتبر أهم أدواتها للالتفاف على النظام المالي الأمريكي المهيمن والعقوبات والعراقيل المصاحبة.

 

ومع تنامي مخاطر سياسة العقوبات الأمريكية عبر استخدام نظام المدفوعات المقوّم بالدولار كسلاح ضد روسيا ومن خلفها الصين في أعقاب غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، فقد حدّت واشنطن من وصول البنوك الروسية إلى أنظمة الدفع الدولية، وفرضت سقفا سعريا على صادرات النفط الروسية، وجمّدت الأصول السيادية الروسية في الخارج بل وتصرفت فيها. ما دفع بالصين وروسيا للبحث عن بدائل مالية عبر منظمة بريكس للالتفاف على العقوبات الأمريكية، عبر تطوير نظام دفع بديل باستخدام اليوان الصيني، كما عملت الصين لوضع معايير للمعاملات بالعملات الرقمية في غياب قانون دولي منظم خاص بالعملات الرقمية.

 

من هنا يطرح السؤال المتعلق بالمعضلة المالية الاستراتيجية حول هيمنة الدولار وسيطرة النظام المالي الأمريكي، هل الصين ومنظمتها "بريكس" وبنك تنميتها الجديد وإجراءاتها المالية الأخيرة، تشكل سياسة لكسر هيمنة الدولار الأمريكي أم تبقى مجرد إجراءات للالتفاف على المخاطر والعراقيل الناجمة عن النظام المالي الذي تهيمن عليه أمريكا عبر دولارها؟

 

جواب ذلك أنه لن يتم تحطيم هيمنة الدولار الأمريكي عبر منظمة بريكس الصينية الروسية ولا بنك تنميتها الجديد ولا إجراءاتها المالية، فالصين لا تؤسس لنظام مالي جديد ولا تطرح نظاما ماليا جديدا بديلا، بل تعمل طبقا لقواعد النظام المالي الذي صممته أمريكا عقب الحرب العالمية الثانية، فقط تأتي ببعض الأدوات لتجنب مخاطره، فأقصى خطوات بريكس هي الالتفاف على الدولار في بعض معاملات دولها الأعضاء، والتي لا يجب إغفال أنها دول متباينة بل ومتضاربة المصالح (بريكس هي مجموعة اقتصادية تضم حالياً 10 أعضاء: الدول المؤسسة الصين، روسيا، الهند، البرازيل، وجنوب أفريقيا، بالإضافة إلى 5 أعضاء جدد انضموا مؤخراً وهم مصر، إثيوبيا، إيران، الإمارات، ومملكة آل سعود) بل وحتى متشاكسة!

 

كما أن هيمنة الدولار هي في توفر الأسواق الاستهلاكية للورقة الأمريكية في الداخل والخارج، وهذه الأسواق هي أمريكا كأكبر سوق استهلاكية لورقتها ثم أوروبا مع التداخل والتشابك التام بين السوق الأوروبية وأمريكا والدولار واليورو، عطفا على القسم الأكبر من دول العالم. ثم سوق الديون لدول ما يسمى بالعالم الثالث فأغلبها مقومة بالدولار وتسدد بالدولار، عطفا على سندات الخزينة الأمريكية بالدولار. ثم سوق الطاقة والسلاح والتجارة العالمية، وسوق العملات الرقمية واستهلاكه المتنامي للدولار كأول عملة لشراء العملات الرقمية.

 

فهناك عوامل فاعلة في هيمنة الدولار، وهناك عوامل ضعف تعتري بريكس في محاولتها تحجيم هيمنة الدولار وعقبات متعلقة بالبنية التأسيسية لبريكس نفسها، بدءاً بأعضائها غير المتجانسين بل المتشاكسين ومصالحهم المتباينة بل وحتى المتضاربة. فارتباط الاقتصاد البرازيلي والهندي بأمريكا أكبر منه بالصين وأكبر من ذلك هو ارتباط البرازيل والهند سياسيا واستراتيجيا بأمريكا عطفا على كثير من دول منظمة بريكس.

 

ضعف العملات المحلية للدول الأعضاء، فالعملة الوحيدة الدولية وسط هذا الكم من عملات دول بريكس، هي العملة الصينية اليوان وهي عملة ناشئة وأدمجت في السوق الدولية مؤخرا سنة 2016 وطبقا لقواعد ومعايير النظام المالي الأمريكي المهيمن، وسوق اليوان الدولية جد محدودة، ما يعني أن استعمالاتها الاقتصادية والتجارية جد محدودة.

 

الأسواق الخارجية لباقي العملات المحلية لأعضاء بريكس تكاد تكون منعدمة، أو محصورة في الدول الأعضاء عبر معاملات جد محدودة، عطفا على ضعف الأسواق المحلية للدول الأعضاء في منظمة بريكس مع ارتباط وتشابك اقتصادات دولها مع الاقتصاد الأمريكي ودولاره. ما يعني أن تأثير البريكس على هيمنة الدولار الأمريكي ونظام أمريكا جد ضعيف.

 

يبقى كسر وتحطيم النظام المالي الذي صممته وفرضته أمريكا على العالم وهيمنة دولارها فعليا وعمليا منوط بالخلافة ونظامها الاقتصادي والمالي الإسلامي البديل والفريد، فالخلافة تمتلك كل معاول الكسر والهدم ليس للنظام المالي الأمريكي والدولار الأمريكي بل للاقتصاد الرأسمالي برمته عبر البديل الحضاري الإسلامي الفريد والمتميز.

 

فالنظام الاقتصادي والمالي الإسلامي وأنظمته هو البديل الحقيقي الوحيد الذي سيحطم كل البناء الرأسمالي؛ نظامه الاقتصادي ونظامه المالي وكل أنظمته، ومعه كسر الحلقة المدمرة للربا والاحتكار الاستعماري ونسف مؤسساته وأجهزته وبنوكه وشركاته وبورصاته وأسهمه وأوراقه المالية الزائفة وفقاعة ماله الوهمي الافتراضي واحتكاراته وشركاته الاستعمارية المهيمنة على الثروات في بلادنا الإسلامية والعالم، ونسف كل مؤسساته الدولية الاستعمارية؛ صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، وكسر فخ الديون والأوراق النقدية المرتبطة بالدولار واليورو، وكسر الهيمنة والسيطرة على التجارة العالمية وطرق وممرات التجارة وأقفالها الاستراتيجية.

 

فالخلافة هي التي تهيمن على أغنى بقاع الأرض معادن ومناجم وطاقة، وتسيطر على الممرات الاستراتيجية للتجارة العالمية وبيدها أقفالها ومفاتيحها، فالخلافة هي من تملك البديل الحضاري والبديل الاقتصادي والمالي وتملك الثروة والمواقع الجيوستراتيجية الحيوية والطاقة البشرية الحيوية، وعليه فهي من تفرض سياساتها وشروطها ونظامها الاقتصادي والمالي ونقدها.

 

فالخلافة هي الكفيل الوحيد بإنهاء الاستعمار الغربي ومنظومته ودوله وسياسته واقتصاده الرأسمالي مصدر نهب الغرب وشريان حياته، وأكبر من ذلك إفناء حضارته.

 

فالخلافة جيوستراتيجياً هي السد المنيع من وصول الغرب الأمريكي والأوروبي عطفا على الصين إلى جنوب الكرة الأرضية مصدر الثروات وموضع الجشع الاستعماري الغربي، فبلاد المسلمين وجغرافيتها المتجانسة وسط الأرض (من ماليزيا شرقا حتى المغرب الأقصى غربا) تشكل حاجزا مانعا من توغل الغرب جنوبا، ما يعني قطع شرايين الاستعمار الغربي كمقدمة لإفنائه.

 

ويبقى العامل الآخر لكسر النظام المالي الأمريكي وهيمنة الدولار وهو عامل ذاتي، وهو التعفن الداخلي للمنظومة الرأسمالية ووصول الدولة الأمريكية إلى حالة التحلل ومعها الأزمة المالية التي تؤدي إلى أعطاب مدمرة للاقتصاد الأمريكي ومعها تتهاوى قيمة الدولار، ما يفقده الجدوى النقدية والاقتصادية، وهذه الحالة سينعكس تأثيرها على كل الدول الرأسمالية والعالم، وهي حالة انهيار وفوضى وسقوط وليس معها أي إنشاء أو بناء.

 

تبقى الخلافة هي القوة الخلّاقة لبناء بديل حضاري وسياسي واقتصادي على أنقاض جاهلية الغرب وأنظمته الجائرة وإعادة العالم إلى رشده ونور ربه.

 

﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع