- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الأهداف الحقيقية وراء غزو فنزويلا
إن محاولة إدارة ترامب إخضاع نصف الكرة الغربي لن تجدي نفعا في المستقبل أكثر مما حققته في الماضي، يعتقد ستيفن ميلر - مستشار ترامب - بأن (أحد قوانين التاريخ الثابتة هو أن العالم محكوم بالقوة) [عربي21، 10/1/2026]، أما القانون الثابت الذي أغفله فهو أن القادة الذين يعتقدون أن القوة هي كل شيء يرتكبون حتما الكثير من الحماقات، وكما قال المثل: (حمار محمل بالذهب يفتح المدن أكثر من أي سلاح)!
إن ترامب ورفاقه في الإدارة يدركون أن دول أمريكا اللاتينية قد انجذبت إلى التعامل التجاري مع دول أخرى بسبب انخفاض التكاليف وقلة العقبات التنظيمية، فإنهم يزعمون أنهم سيدفعون هذه الدول إلى رفض هذه المساعدات، ولأن إدارة ترامب إدارة انتهازية تعارض عموما المساعدات الخارجية وتسعى إلى الاستحواذ على الحصة الكبرى من فوائد جميع علاقاتها الصناعية فإنها مضطرة للاعتماد على التهديدات لتحقيق مآربها في تحقيق أعلى فائدة.
إن ادعاء ترامب أنه ذهب إلى فنزويلا من أجل مكافحة المخدرات واستعادة الديمقراطية ادعاء متهافت، وهذا أعلن مباشرة بعد العملية بتصريح من ترامب وروبيو وزير خارجيته وعلى ألسنة جميع أعضاء الإدارة البارزين؛ أن السبب هو السيطرة على النفط وباقي ثروات فنزويلا لأنها تحتوي على احتياطي ضخم وما تحتويه أرضها من معادن نادرة، كما تحتوي على الليثيوم اللازم لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، (قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء، إن الحكومة الفنزويلية بالوكالة ستسلم الولايات المتحدة ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط، وإن العائدات ستكون تحت إدارته بصفته رئيسا) [سكاي نيوز عربية، 7/1/2026]، (أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن فنزويلا لن تشتري إلا منتجات أمريكية الصنع بعائدات النفط الذي تسوّقه الولايات المتحدة بموجب اتفاق مع كراكاس عقب اعتقال نيكولاس مادورو) [الجزيرة نت، 8/1/2026]، ذكر وزير الطاقة الأمريكي كريس وايت أن (واشنطن ستدير مبيعات النفط الفنزويلي لفترة غير محددة) [الجزيرة نت، 8/1/2026]، وذكرت كارولاين ليفيت الناطقة باسم البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي (يحتفظ بحق خيار اللجوء إلى القوة العسكرية لحماية النفط الفنزويلي) [العربية، 7/1/2026]، وأشار وزير الخارجية الأمريكي أن المرحلة الثانية من خطته لفنزويلا (تهدف إلى ضمان وصول الشركات الأمريكية والغربية إلى السوق الفنزويلية بطريقة عادلة) [الجزيرة نت، 7/1/2026]، فهي عملية سطو مسلح على دولة بقوة السلاح، وكما قدمنا في البداية فإن هذا لن ينقذ ترامب من مأزقه الداخلي واقتصاده المتأزم، ولهذا يصر ترامب على أن هذا هو السبب الحقيقي، وأن الشركات الأمريكية ستتدفق هناك وتستحوذ على النفط وتجعل أمريكا عظيمة، وهو مخطئ مرة أخرى. يمكن لترامب أن يعتقد ما يشاء (وهو ما يفعله غالبا) لكن لا توجد ثروة نفطية طائلة تنتظر أمريكا في أي وقت قريب بسبب أن النفط الفنزويلي هو من النوع الثقيل الذي يحتاج إلى تكاليف عالية لاستخراجه، وقد قدر الخبراء التكاليف من 10-40 دولارا للبرميل الواحد، وهذه التكلفة باهظة لأسعار النفط الحالية، بين 50-60 دولارا.
إن الأهداف الحقيقية وراء استهداف فنزويلا هي كالآتي:
أولا: استهداف الصين وقطع إمدادات النفط عنها، فقد بلغ النمو في الاقتصاد الصيني عام 2024م 5%، بينما بلغ معدل النمو في الاقتصاد الأمريكي في الفترة نفسها 2,8%، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني نحو 20 تريليون دولار، والاقتصاد الأمريكي نحو 30 تريليون دولار، وهذا مربط الفرس؛ إغلاق 5% من إجمالي واردات الصين (حيث إن الصين تستحوذ على 5% من صادرات النفط الفنزويلي) من النفط، وعليه اتخذت إدارة ترامب هذه الخطوة الاستباقية المتأخرة للجم تقدم الصين في الاقتصاد وتحجيمها.
ثانيا: رسالة من إدارة ترامب إلى نصف الكرة الغربي بتقديم فروض الطاعة وإلا سيحصل لهم ما حصل لمادورو، فهو يقول لهم ما أريكم إلا ما أرى، ولدول العالم وبالذات الدول النفطية في الشرق الأوسط وإيران وآسيا الوسطى وأفريقيا أنكم مستهدفون إذا واصلتم التعامل مع الصين وتزويدها بما تحتاج من نفط وبترول.
ثالثا: التغطية على ارتدادات الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فقد بلغ الفقر والعوز عندهم مداه، فقد روت تقارير أن هناك 100 مليون إنسان ما بين عجز عن توفير أساسيات الحياة أو عجز عن سداد قروض البيوت والسيارات، وخرجت مئات المظاهرات في شوارع المدن الأمريكية تطالب إدارة ترامب بالاهتمام بالناس والاقتصاد المثقل أصلا بـ40 تريليون دولار تقريبا ديون سندات وطباعة (تم التخطيط لأكثر من ألف فعالية في مختلف أنحاء البلاد للمطالبة بإنهاء عمليات الانتشار واسعة النطاق لعناصر إدارة الهجرة والجمارك) [صدى البلد، 10/1/2025].
رابعا: التغطية على فضيحة إبستين التي يستخدمها المشرعون الديمقراطيون سيفا مسلطا على رقبة ترامب، فأراد أن يحول الأنظار إلى الخارج بعملية استعراضية متفق عليها مع أوساط في فنزويلا وهذا سبب نجاحها وإخراجها بطريقة هوليوودية.
إن السيناريو الأرجح أن يتجه العالم بعد هذه العملية إلى الانقسام القسري إلى معسكرات، ولهذا سيضاعف ترامب جهوده لفرض تعرفات جمركية جديدة على الدول الصغيرة وإجبارها على المشاركة في الحرب التجارية على الصين، وهو ما سيؤدي إلى نقص السلع وارتفاع الأسعار، وفي غضون عام أو عامين سيصبح التضخم عالميا، وستتساقط اقتصادات الدول الصغيرة الواحد تلو الآخر، وسيغرق العالم بأسره في عدم استقرار اقتصادي، فلا معنى لنشوة ترامب المؤقتة.
وبالنسبة لدول الخليج النفطية فإنه يفترض أن يمثل احتجاز مادورو خطرا مضاعفا، فإلى جانب احتمال تكرار سيناريو فنزويلا عبر المؤامرات والانقلابات، يساورها القلق من سيطرة أمريكا على ما يقارب نصف نفط العالم، بات المعسكر الأمريكي الآن يضمن إمدادات النفط في حال وصلت الأمور إلى حرب مع الصين، ويتعين بالضرورة على ترامب قطع مصادر النفط البديلة عن الصين، روسيا وإيران ودول الخليج، فترامب أمامه وقت ضيق للغاية، ففي الأشهر القادمة سيضاعف جهوده في هذا المسار.
والسؤال: كيف سيصمد اقتصاد العالم ويتخطى مثل هذه الإجراءات المتطرفة التي ستؤثر على العالم خلال الفترة القريبة القادمة؟
ما نراه اليوم هو التنفيذ العملي لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي تحمل عنوانا رئيسيا هو الهيمنة على نصف الكرة الغربي وضمان تأمينه وتأمين موارده لصالح أمريكا وإعادة التموضع بالتخلص من بعض أعباء الناتو في أوروبا وهذا عكس العولمة، فهل يعني ذلك تنازل أمريكا عن كونها قوة عظمى عالمية وشرطي العالم؟ لا أتوقع ذلك، لأنها لا تزال تعلن على الملأ وتقوم بإجراءات تخص غرينلاند وكندا والقطب الشمالي والشرق الأوسط، فهي تؤسس لتوازنات أمنية جديدة في العالم. فهناك مقولة منقولة عن ترامب (ما لي لي، وما لكم قابل للتفاوض).
إن الإمبراطوريات تنهار بالضبط في لحظة التوسع والنشاط العسكري الحربي الأقصى لها، وذلك أن هذا التوسع والتمدد يصبح في لحظة ما أكبر من قدرة المركز على الاستيعاب والهضم والسيطرة، ولهذا يتم تصدير الأزمات للخارج في محاولة للبحث عن مزيد من الموارد وافتعال المشاكل للدول والأزمات واستنزاف الخصوم، فالمنظومة الغربية بزعامة واشنطن وصلت إلى أقصى توسع ممكن في العالم بأسره بعد توهم النصر على القوى العالمية الأخرى والعيش في وهم القطب الواحد زهاء ثلاثة عقود.
وأقول إن هذه الأزمة يمكن أن تكون آخر المسامير في نعش أمريكا وربما النظام الرأسمالي برمته.
اقتضت سنة الله في خلقه أن يأتي قوم ويخلفهم قوم سواء أكانوا أهل حق أم أهل باطل، وإن الباطل اليوم يتصارع على السيطرة والنفوذ والثروات، وهذا مصداقا لقول الله تعالى في سنة التدافع ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ونحن المسلمين حين نستعرض هذه الأحداث العالمية ليس للترف السياسي بل لكي نرسم مستقبل العالم الجديد القادم بإذن الله من زاوية الإسلام، فالوعي السياسي يفرض علينا أن ننظر من زاوية العقيدة الإسلامية، فالإسلام يقول لنا لا تخافوا ولا تحزنوا من تكبر الكفار وعنجهية ترامب وزبانيته، فقد كان فرعون وقبله عاد وثمود من الأقوام الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربنا سوط عذاب، وهذا ما سيحدث لأمريكا ونظامها الرأسمالي بقدرة العزيز الجبار ثم عمل العاملين للتغيير بإقامة الخلافة على منهاج النبوة فهي وعد الله سبحانه وبشرى رسوله ﷺ بفتح روما بعد أن فتحت القسطنطينية، فهيا أيها المسلمون إلى العمل للتغيير المنشود ودحر الباطل، إن الباطل كان زهوقا، وما صراعهم وغطرستهم إلا إلى مقتل، فإلى العمل وعدم الخوف والوهن والعجز مما يظهره الباطل من انتفاشة فما هو إلا غثاء كغثاء السيل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ﴾.
﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
سيف الدين عبده



