الخميس، 03 شعبان 1447هـ| 2026/01/22م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

القانون الدولي صنم الغرب الذي متى جاعت وحوشه أكلته!

 

 

"القانون الدولي" هو ابتكار الغرب الخالص وحيلته وخديعته لشرعنة هيمنته واستعماره، فقد صنعه الغرب لخدمة مصالحه وتكريس سيطرته، ومتى انتفت الحاجة إليه أو انتهت صلاحيته عَدَّلَهُ أو انقلب عليه أو رمى به!

 

إن ما يسمى "القانون الدولي" لا أساس له في الأعراف التشريعية والقانونية ولا سند قيمي أو أخلاقي له، هو حقيقة بدعة الغرب الخالصة في تحويل أعماله السياسة الاستعمارية إلى شرعة ومنهاج تخضع لها الدول.

 

فمن الناحية العملية التاريخية هو أداة القوى الغربية المهيمنة على الساحة الدولية في فرض وشرعنة سياستها لترسيخ وتكريس وتركيز نفوذها وهيمنتها وتحقيق مصالحها الاستعمارية، ويتم ذلك عبر تحويل الأعمال السياسية للقوى الغربية المهيمنة إلى قواعد للتحكم في الدول الأخرى وشرعنة سياستها وفرضها كسياسة دولية واتفاقيات دولية، فتصبغ هذه القواعد الخاصة بصبغة قانونية وتفرض كقواعد دولية، ثم يصطلح عليها من القوى الغربية المهيمنة "قانونا دوليا" يكرس هيمنتها على السياسة والساحة الدولية.

 

القانون الدولي ليس كما يتهيأ لكثيرين، أنه مجموعة أعراف نشأت جراء العلاقات بين المجموعات البشرية، فاكتسبت عراقة وسلطانا معنويا وصار الالتزام بها طوعيا بين هذه المجموعات المختلفة، ولا هو كذلك قواعد سياسية وضعت وتوافقت عليها دول العالم وصارت بموجب هذا التواضع والإجماع التوافقي قواعد تحكيم في علاقات الدول كلها. هذا كله لا ينطبق البتة على القانون الدولي.

 

فنظريا وعمليا استحال أن يوجد هكذا تواضع وتوافق إجماعي بين كل الدول على شكل قانون ناظم لكل العلاقات الدولية لكل هذه الدول على اختلاف ثقافاتها وحضاراتها ومصالحها.

 

فالقانون الدولي هو فكرة وبدعة الغرب وخديعته الكبرى في فرض قواعده الخاصة التي تعبر عن وجهة نظره الخاصة ونظرته الثقافية والحضارية الخاصة ورؤيته السياسية ومصالحه الخاصة به. ولقد نشأت فكرته من رحم أوروبا النصرانية كأعمال سياسية ضد الدولة الإسلامية (الخلافة العثمانية) ولصد فتحها الإسلامي الذي اكتسح بلدان أوروبا (اليونان، رومانيا، ألبانيا، يوغوسلافيا، المجر، النمسا)، ثم صيرتها أوروبا النصرانية قواعد لدولها في التعامل مع الخلافة العثمانية، ثم تطورت إلى قواعد ثابتة عبر مؤتمر وستفاليا سنة 1648م، والذي كان التأسيس الأول لمفهوم "القانون الدولي" الذي صاغته دول أوروبا النصرانية ضد الخلافة العثمانية، ومع هدم الخلافة العثمانية كدولة إسلامية وكقوة عظمى تناقض وتصارع أوروبا فلسفتها وثقافتها وحضارتها ودولها وسياستها واستعمارها، خلت الساحة الدولية لأوروبا ففرضت رؤيتها السياسية على العالم بالحديد والنار وكانت طريقتها في ذلك الاستعمار.

 

ثم مع تكاليف الاستعمار الباهظة وخاصة في الداخل الإسلامي ومجاهدة المسلمين للاستعمار الأوروبي، غَيَّر الاستعمار أسلوبه من اعتماده على القوة الصلبة الغاشمة إلى أسلوب الاستعمار الناعم عبر تطوير قواعد الاستعمار "القانون الدولي"، فتم استبدال أدوات الإكراه والقمع الصلبة الخشنة بأخرى ناعمة مغلفة، فبدل العساكر والمدافع حلت المؤسسات الاستعمارية وأجهزتها ومنظماتها وقوانينها ومواثيقها "الدولية" كأدوات مادية لفرض القواعد السياسة الأوروبية كقواعد للتحكم في العلاقات الدولية باسم القانون الدولي، الذي اكتسب شكله الحديث مع تطور الدولة القومية الاستعمارية الغربية.

 

لقد كان "القانون الدولي" حتى منتصف القرن الماضي أوروبيا خالصا ولبريطانيا اليد الطولى عليه، وبعد الحرب العالمية الثانية ونتائجها الكارثية على أوروبا تحول مركز الثقل السياسي والاستعماري الغربي من أوروبا إلى أمريكا، نتج عن ذلك هيمنة أمريكا على الموقف الدولي والساحة الدولية والسياسة الدولية، ومن ثم صياغتها لقواعدها الخاصة بنظامها الدولي الأمريكي، فصممت قوانينه وأجهزته ومؤسساته (هيئة الأمم، مجلس الأمن، صندوق النقد، البنك الدولي، الحلف الأطلسي...) تكريسا لهيمنتها وتحقيقا لمصالحها الاستعمارية الخاصة بها.

 

واليوم مع الإفلاس والفشل الحضاري والثقافي والسياسي للمنظومة الغربية، وترجمة ذلك في نموذجها الأول أمريكا الغارقة في مستنقع إفلاسها وفشلها، والذي تمثل في تصدع مجتمعي غير مسبوق أضحى معه المجتمع الأمريكي عبارة عن مجموعات بشرية متنافرة ومتدابرة ثقافيا وسياسيا، ثم إفلاس سياسي مروع ترجمه الخراب الاقتصادي الذي تعيشه الدولة الأمريكية والتي هي عمليا في حكم الدولة الفاشلة المفلسة (الدين الأمريكي 38.5 تريليون دولار حسب المعلن رسميا، ويذهب العارفون بالوضع الاقتصادي الأمريكي إلى رقم مفزع أكبر من هذا بكثير).

 

من وسط هذا المستنقع الأمريكي الآسن ومن قاعه خرج الرأسمالي ترامب الرئيس، وحِسْبَتُهُ الرأسمالية الخاصة به في إدارة إفلاس المنظومة وفشلها وإفلاس دولتها، هي عبر الوصفة الرأسمالية المعهودة في تخفيض المصاريف ورفع العائدات عبر جلب مزيد من الواردات.

 

فبالنسبة لتخفيض المصاريف وهو ما ابتدأ به ترامب سياسته في خفض تكاليف الإدارة (التسريح الواسع لموظفي الإدارة الأمريكية)، وتقليص الإنفاق الحكومي (كتقليص كبير في تمويل برنامج "ميديك إيد"، وهو نظام الرعاية الصحية الذي توفره الدولة لأصحاب الدخل المنخفض وذوي الإعاقة)، تلاها تخفيض وتوقيف الإنفاق على المشاريع والبرامج الأمريكية الدولية، وكذلك مؤسسات النظام الدولي الأمريكي.

 

أما بالنسبة لزيادة العائدات فلا يرى ترامب سوى ابتزاز الدول (الرسوم الجمركية) وفتح باب الاستعمار على مصراعيه بتكاليف جد منخفضة أو صفرية، والساحة الاستعمارية التي توفر له هذه الواردات مع تكاليف تكاد تكون صفرية هي بلادنا الإسلامية جراء فراغها الجيوستراتيجي وسفلة حكامها العملاء الأذلة للمستعمر الأمريكي، ثم الشق الغربي من الكرة الأرضية والتي تلعب الجغرافيا دورها في جعلها الساحة الاستعمارية المناسبة للمستعمر الأمريكي لقربها من دولته وبُعْدِها عن الاستعمار المنافس سواء الأوروبي أو الصيني في طور التخلق. الأمر الذي دفع بترامب للتنصيص على ذلك في ورقة استراتيجية أمنه القومي عبر التركيز على أمريكا الجنوبية والشق الغربي من الكرة الأرضية (مبدأ مونرو الاستعماري) كساحة استعمارية خالصة لأمريكا.

 

لكن هناك فرامل وكوابح أمام تنفيذ ترامب وصفته الرأسمالية، وهي قواعد النظام الدولي التي وضعتها أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، فهذه القواعد تقيد بل وتكبل ترامب وتمنع حركته، ومؤسساتها وأجهزتها لا يرى فيها ترامب سوى فرامل سياسية وأعباء مالية على دولته المفلسة. الأمر الذي دفع بترامب للشروع في هدم هذه القواعد عبر التحرك أحاديا من غير الالتفات إليها أو إلى مؤسساتها (هيئة الأمم، مجلس الأمن) وظهر ذلك في تعاطيه مع غزة وأوكرانيا وسوريا والهجوم على فنزويلا، والرسوم الجمركية...، كما يسعى لكسر المؤسسات باعتبارها نفقات غير ضرورية يجب إيقافها والتخفف من نفقاتها، وعلى رأسها الإنفاق العسكري على الحلف الأطلسي وبرامج هيئة الأمم...

 

فترامب يرى أن النظام الدولي الذي صاغت قواعده وأجهزته ومؤسساته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد يناسب أمريكا المفلسة اليوم وأنه استنفد أغراضه، بل يراه عبئا عليها ويسعى جاهدا لهدم بنيانه وقواعده وتحطيم مؤسساته وأجهزته تخففا من قيوده السياسية وأعبائه المالية.

 

لكن مع إفلاس المنظومة الغربية وقحطها الفكري والثقافي وعقمها السياسي، ونظرة الرأسمالي ترامب القاصرة للدولة كشركة وللعالم كسوق وللعلاقات الدولية كصفقات، تبقى نظرة ترامب نذير كارثة وليست مصدر معالجة، فهو لا يبتكر شيئا ولا ينشئ جديدا ولا يؤسس لقواعد أخرى. والمعضلة الكبرى المستعصية هي استحالة حل أزمة المنظومة الرأسمالية لأن المنظومة الرأسمالية نفسها هي الأزمة!

 

فكل النهب الاستعماري الذي يطمع فيه ترامب سيذهب لأرصدة الرأسماليين وليس لخزينة الدولة المفلسة، والمفارقة السامة أن نفقات تأمين نهب الرأسماليين هي من خزينة الدولة المفلسة، ما يعني تفاقم الأزمة واستفحالها. ما يعني أن الخلاص من الأزمة هو بالتخلص من المنظومة الأزمة ثقافة وأنظمة ودولة وسياسة وساسة ورأسماليين. فترامب لن يعالج أي شيء بل سيسرع الفوضى ويضرم مزيدا من نيران الدمار والخراب.

 

تبقى القراءة الحضارية للمشهد العالمي وفوضاه هي المغيبة الغائبة وهي لحظة تحول حضاري، منظومة علمانية رأسمالية تنازع فناءها بعد تعفنها. ومنظومة إسلامية كل أشراط انبعاثها قاب قوسين أو أدنى من الاكتمال: الثلة المؤمنة الواعية المخلصة صاحبة المشروع الحضاري الإسلامي العظيم، والأمة الإسلامية الحاضنة للمشروع والمتحفزة لحياتها الإسلامية وخلافتها الراشدة، وساعة الصفر في كسر أهل القوة للقيد وقد دنت وأزفت.

 

وإن الصبح لناظره لقريب.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع