- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الجذور التاريخية لمؤامرة تمزيق السودان
بعد احتلال بريطانيا لمصر عام ١٨٨٢م، أخذت تعمل على تقسيمها، جرياً على خطتها التي رسمتها للبلاد الإسلامية بتمزيقها لتسهل السيطرة عليها، واستغلال ثرواتها ونهبها، والحيلولة دون عودتها قوة مؤثرة تهدد مصالحها الاستعمارية، فقامت في عام ١٨٩٩م بتقسيم مصر إلى قطرين:
الأول حددته بما هو واقع جنوب خط عرض ٢٢ درجة وأطلقت عليه مصر، وقد أبقت على اسم مصر له خبثا ودهاء، لمحو دلالته الحقيقية من الذاكرة (كما يجري حاليا في التآمر لإطلاق اسم فلسطين على أقل من ربع مساحتها)! إن مصر قبل عام ١٨٩٩م (ما قبل الفتح الإسلامي وحتى عهد قريب، أي أثناء الحكم العثماني وحكم أسرة محمد علي)، كانت تضم مصر والسودان الحاليتين وكانتا وحدة واحدة، وبلدا واحدا اسمه مصر، وعلى الرغم من المعارضة القوية التي أظهرها المسلمون في مصر لخطة التقسيم، فإن بريطانيا التي كانت الدولة الأولى في ذلك الوقت، لم تأبه بهذه المعارضة، وأبقت على التقسيم وفرضته بقوة السلاح والنفوذ، ولجأت إلى اتباع أخبث الأساليب وأكثرها مكرا، وزاد الطين بلة تواطؤ عملائها من حكام المسلمين معها، فحاولت امتصاص النقمة وتهدئة الخواطر، فأشركت مصر (بحدودها الجديدة) معها شكلا، في حكم الإقليم الجديد (السودان)، وإدارة شؤونه، وجعلت هذا الإشراك موثقا، ومنصوصا عليه في اتفاقية الحكم الثنائي لعام ١٨٩٩م، التي احتوت على قرار التقسيم.
وظلت هذه الاتفاقية قائمة شكلا إلى الأول من كانون الثاني/يناير ١٩٥٦م، أي تاريخ ما أطلقوا عليه بعدئذ اسم (الجمهورية السودانية) بعدما تمت إجراءات الفصل اللازمة دوليا، وبعد إقرار مشترك من حكام مصر وبريطانيا صاحبة النفوذ الاستعماري على السودان في ذلك الوقت.
وقد كان لأمريكا دور حاسم في الانفصال إذ تلقفت فكرة بريطانيا بتقسيم مصر إلى إقليمي مصر والسودان فأوعزت لعملائها في مصر؛ رجال الثورة، بتوقيع اتفاقية مع بريطانيا عام ١٩٥٣م نصت على ما أطلقوا عليه حق تقرير المصير للشعب السوداني، بعد ثلاث سنوات كفترة انتقالية، يجري بعدها استفتاء شعبي برقابة دولية، وقد كانت هذه الاتفاقية بحق تمهيدا للانفصال، إذ قامت أمريكا وبريطانيا بعدها أثناء الفترة الانتقالية بتهيئة الرأي العام من خلال عملائها لقبول فكرة الانفصال، مع أن الرأي العام كان كاسحا في رفض الانفصال والمحافظة على الوحدة، وأثناء الفترة الانتقالية أوعز حكام مصر بتوجيه أمريكي إلى الحزب الوطني الاتحادي الممثل للطائفة الختمية، الموالي لهم بتغيير موقفه من رفع شعار (وحدة وادي النيل) إلى رفع شعار الاستقلال (الانفصال) مع أنه كان قد حاز على أغلبية برلمانية كبيرة بسبب رفعه شعار الوحدة.
أما حزب الأمة الممثل لطائفة الأنصار والموالي للإنجليز منذ نشأته، فقد كان يروج للفكرة الإنجليزية الداعية للانفصال منذ اليوم الأول لنشأته، وبعد انتهاء الفترة الانتقالية، وقد تهيأت أجواء الانفصال، وأعلن إسماعيل الأزهري من الوطني الاتحادي رئيسا للوزراء الذي كان من أقوى المنادين بوحدة وادي النيل، أعلن في ١٩/١٢/١٩٥٥ بعدما غير جلده، بطلب من حكام مصر، موافقة البرلمان السوداني بالإجماع على الانفصال الذي أطلقوا عليه فيما بعد اسم (الاستقلال).
وبذلك تكون بريطانيا قد حققت هدفها بتقسيم مصر التاريخية بعد ما يزيد عن خمسين عاما بمساعدة أمريكا، بل تبنيها للخطة.
ولم تتوقف الخطة البريطانية عند حد تقسيم مصر التاريخية إلى إقليمي مصر والسودان، بل تعدى الأمر إلى العمل على تقسيم السودان إلى دولتين، الأولى في الشمال والأخرى في الجنوب وقد بدأت بالسعي لتنفيذ هذه الخطة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، أي في عام ١٩٢٢م وتبنت سياسة المناطق المقفولة أمام الشماليين في تعاملهم مع الجنوبيين كأساس في إدارتها المديريات الجنوبية: الاستوائية، وبحر الغزال، وأعالي النيل.
وحظرت على الشماليين دخول هذه المناطق أو العمل بها أو الاتجار معها، ووضعت قيودا صارمة على انتشار كل ما يمت للشماليين بصلة من عادات وتقاليد، وجعلت الجنوبيين ينظرون إليهم بعين الريبة والشك. وفي هذا الوقت حيث سلكت سياسة عزل الشمال عن الجنوب فتحت الجنوب على مستعمراتها الجنوبية في شرق أفريقيا: الحبشة وأوغندا، وكينيا، وتنزانيا وغيرها، وسعت إلى ربط مديريات الجنوب الثلاث مع هذه المستعمرات وأصدرت قرارا عام ١٩٣٠م ينص على اعتبار الجنوبيين أناسا يختلفون عن الشماليين.
ودفعت المبشرين والبعثات التبشيرية الآباء الفيرونيين جمعيات بروتستانتية والجمعية التبشيرية الكنيسة الإنجليكانية، دفعتهم بقوة للعمل والنشاط في تلك المديريات وفرضت اللغة الإنجليزية لغة رسمية واتخذت الكثير من الإجراءات والتدابير التي من شأنها أن تباعد بين الشماليين والجنوبيين. وقبل أن تخرج بريطانيا قواتها من السودان حرضت الجنوبيين على العصيان والتمرد المسلح، ودعمتهم مباشرة بالمال والسلاح، وبشكل غير مباشر عن طريق عملائها في مستعمراتها المجاورة، مثل عميلها هيلاسلاسي في الحبشة، وعملائها في كل من أوغندا وكينيا وتنزانيا. بدأ المتمردون تمردهم قبل مغادرة القوات البريطانية الأراضي السودانية، وظلوا يناوئون الحكومات المتعاقبة حتى تمكنوا من تحقيق فصل جنوب السودان باتفاقية نيفاشا التي تضمنت حق تقرير المصير الذي فرضته أمريكا على حكومة الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير. حيث أجري استفتاء جنوب السودان، في الفترة من 9 وحتى 15 كانون الثاني/يناير 2011 حول ما إذا كان سكان جنوب السودان يرغبون بالبقاء في دولة واحدة مع السودان أو الانفصال بدولة مستقلة وذلك تنفيذاً لبنود اتفاقية السلام الشامل التي وقعت في نيفاشا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في 9 كانون الثاني/يناير 2005.
وتم لأمريكا ما أرادت من فصل جنوب السودان عن شماله، وسمي كذلك (استقلالاً)! وانتقلت أمريكا في خطتها لتفتيت السودان وتمزيقه من خلال اتفاق جوبا والمسارات الخمسة وتهيئة باقي البلاد للتفكيك. وما يجري من صراع دموي بين الجيش وقوات الدعم السريع وسيطرة الدعم السريع على كامل دارفور بعد إسقاط الفاشر، يؤكد على سير الأمور نحو فصل دارفور بخطة حدود الدم، ولا قدر الله إذا تم سلخ دارفور من السودان وتم فصله يسمى (استقلالاً).
هكذا تسير السياسة الاستعمارية في بلادنا تمزيقا وتقطيعا منذ هدم الخلافة قبل ١٠٥ أعوام، ويسمى هذا الفصل (الاستقلال) لإضعاف الأمة الإسلامية وعدم تمكينها من عودتها قوة كبرى في هذا العالم.
فهلا أدرك أهل السودان وعموم الأمة الإسلامية المخاطر الكبيرة التي تحدق بها من إعادة رسم حدود جديدة بحدود الدم ودول جديدة تبنى على أشلاء وجماجم شعوب المنطقة الإسلامية؟!
إن العاصم لنا هو العمل بجد واجتهاد لإعادة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله وتحقيق وعد الله سبحانه وبشرى حبيبنا محمد ﷺ في هذا الشهر الكريم الذي هدمت فيه الخلافة، فلتكن إعادتها فيه كما هدمت فيه قبل ١٠٥ أعوام وليس ذلك على الله بعزيز.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الله حسين (أبو محمد الفاتح)
منسق لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان



