- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
بين استقبال ترامب لأحمد الشرع وابن سلمان
حين تكشف البراغماتية الرأسمالية عن وجهها الحقيقي
إن الأمة التي تُريد أن تعرف موقعها الحقيقي في العالم، لا تحتاج إلى كثير من التحليلات، ولا إلى كثرة الأضواء. يكفيها أن تنظر إلى كيف يُستقبل أبناؤها في عواصم القرار، وكيف تُعامل قياداتها حين تقف على أبواب القوى الكبرى. وما جرى مؤخراً في استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأحمد الشرع، وفي المقابل استقباله لولي عهد السعودية، ليس مجرد تفصيل سياسي، بل صورة تختصر حال التبعية وتهزّ وعي الأمة.
- حين يُستقبل الشرع استقبالا يُشعر بالمهانة
لقد تابع الناس كيف بدا استقبال أحمد الشرع في واشنطن، وكيف ظهر المشهد خالياً من أي دلالة على الشراكة أو الهيبة؛ لم نرَ بروتوكولاً رفيعاً، ولا تقديراً لمكانة، ولا لغة تدل على احترام، بل كان استقبالاً أقرب إلى الاستدعاء، يوحي بأن الرجل مُلحَق لا مُعْتَبَر، وأنه لا يملك من القرار إلا ما يُمنح له، وأن وجوده في البيت الأبيض هو مجاملة شكلية لتمرير رسائل أمريكية معدّة مسبقاً.
وهنا نتذكر قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً﴾، أي أنهم لا يحفظون عهداً، ولا يرعون حقاً، ولا يعطون للمؤمن قدرَه، ما دام بلا قوة يتكئ عليها.
- وحين يُستقبل ابن سلمان استقبال المدفوع الثمن
وفي الجهة الأخرى، رأى العالم استقبالاً مختلفاً تماماً لوليّ العهد السعودي؛ استقبالاً فخماً، وحفاوة متكلّفة، وبروتوكولاً مُبالغاً فيه.
لكن الحقيقة الواضحة أن هذا الاستقبال ليس لأنه زعيمٌ قويٌّ مستقل، ولا لأنه يمثل مشروعاً حضارياً، بل لأنه زبون ضخم يدفع المليارات، ويضخ الأموال في خزائن شركات السلاح الأمريكية.
احترامٌ مدفوع الثمن، وهيبةٌ مبنية على فاتورة لا على قرار، ومكانةٌ تصنعها الأرقام لا المبادئ. وهذا هو جوهر البراغماتية الرأسمالية التي تحكم واشنطن: لا تحالف إلا حيث المصلحة، ولا تقدير إلا حيث المال.
- الشرع الإسلامي في قضية العزة والكرامة
وعندما نقف أمام هذه المشاهد، يجب أن نستعيد الميزان الشرعي الذي حدده الله تعالى لأهل الإيمان: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، هذه العزة حقٌّ ثابت، ليست هبة من واشنطن ولا من موسكو، ولا تنتظر شهادة من أي قوة. يقول ربنا عز وجل في وصف خصائص الأمة الحقيقية: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
فكيف انقلبت الموازين اليوم؟ كيف صار بعض حكّامنا أعزّةً على شعوبهم، أذلّةً أمام القوى الكبرى؟ كيف صاروا يقدمون التنازلات هناك، ويستأسدون هنا؟
- مقصد الاستخلاف قانون حضاري
لقد حدّد القرآن سنة الله في التمكين والاستخلاف، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ...﴾، وهذا الوعد ليس مجرد آية تتلى، بل هو قانون: إن الأمة لا تُعطى مكانتها إلا إذا امتلكت مقوماتها: الإيمان، والعمل، والعدل، والقرار المستقل. فإذا ضاعت هذه المقومات، ضاع معها التمكين، وصار الحاكم مهما عظم موكبه تابعاً في يد الآخرين.
وها هو القرآن يربط التمكين بالعمل الصالح والسيادة بالقيم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، أي أن تمكين الله ليس منحة مجانية، بل نتيجة طبيعية لهوية قائمة على العدل والعبودية لله وحده لا لغيره.
- مقارنة مع الخلفاء العظماء من يصنع من؟
الخلفاء الراشدون ومن جاء بعدهم من القادة العظماء، لم يكونوا يستعيرون هيبتهم من الخارج. لم يكونوا ينتظرون اعتراف الغرب ولا الشرق. هيبتهم كانت تُصنع في المدينة وبغداد ودمشق وقرطبة... ثم يعرفها العالم دون استئذان. كانت الوفود تأتي إليهم خائفة أو راغبة، لا عن طريق الابتسامة الدبلوماسية، بل عن طريق احترام القوة الحقيقية... قوة العدل، وقوة المبادئ، وقوة القرار السيادي.
وأما اليوم فنرى بعض حكّام العرب يقفون أمام قوى كبرى، لا يمتلكون في يدهم إلا دفتر الشيكات، ولا يحملون في ملفاتهم سوى طلب الرضا.
فأين نحن من أولئك الذين كانوا إذا دخلوا مدينةً هابها أهلها، وإذا تحدثوا أصغى العالم؟
نحن نغضب لأن هذه المشاهد تكشف حالاً أعمق: حالة فقدان للعزة، وضياع للقرار، وابتعاد عن سنن الله في الاستخلاف.
إن الأمة التي تريد مكانها بين الأمم لن يرفعها ترامب، ولا بايدن، ولا أيّ رئيس، بل يرفعها الله سبحانه إن هي استقامت على طريقه، ويُمكّنها إذا عادت إلى شروط التمكين، ويعيد لها مجدها إذا استعادت هويتها.
أما أمة لا تريد إلا رضا الآخر، فسوف تعيش تحت قدميه مهما دفعت من مال، ومهما لبست من بهرجة!
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أديب عبد الله – ولاية العراق



