الخميس، 14 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/27م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

حين كان الربيع ميلاد أمة

 

 

يُطل علينا شهر الربيع، فيوقظ في الذاكرة موسماً لم يكن كغيره من المواسم في التاريخ. ففيه أشرقت شمس الرسالة المحمدية، فكان مولد النبي محمد ﷺ إيذاناً بميلاد أمة جديدة؛ أمة لم تملك من متاع الدنيا إلا القليل، لكنها امتلكت ما هو أعظم من خزائن الملوك: الإيمان والعزيمة والرسالة.

 

جاء محمد ﷺ، فحوّل رعاة الصحراء إلى هداة للأمم، يتطامن لهم الزمن، وجعل من رجال لم تعرفهم قصور كسرى وقيصر قادةً حملوا نوراً تجاوز حدود الجزيرة العربية إلى أرجاء الدنيا.

 

وأعزَّ الإسلام أناساً كانوا عبيداً مستضعفين، حتى صار بلال بن رباح، الذي كان يُعذَّب بالأمس على لهيب صحراء مكة، رمزاً من رموز الإنسانية، وصار سلمان وصهيب وعمار وغيرهم جزءاً من جيل حمل رسالة غيّرت وجه التاريخ.

لم تكن معجزة الإسلام أنه صنع أمة قوية بالسلاح فحسب، بل إنه صنع إنساناً جديداً يرى أن كرامته ليست في ماله، ولا في قبيلته، ولا في لونه، ولا في منصبه، وإنما في عبوديته لله، وعدله بين الناس.

 

بهذه الروح خرجت الأمة من جزيرتها الصغيرة، لا تحمل مشروعاً للنهب والاستعباد، وإنما تحمل رسالة ترى في الإنسان أخاً، وفي العدل أساساً، وفي تحرير الإنسان من عبودية البشر غايةً من غاياتها.

 

قوم كانوا يتنازعون على مورد ماء، صاروا يتطلعون إلى بناء حضارة، وأمة كانت تفرّقها العصبيات، أصبحت تجمعها عقيدة. ثم مضت السنون، وتوالت الأجيال، وبلغت الأمة من المجد مبلغاً جعل عواصمها منارات للعلم والحضارة، فكانت بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغيرها مراكز للعلم والفكر والطب والفلك... وكان العالم يقصد ديار المسلمين ليتعلم ويقرأ.

 

حين امتلك الإنسان نفسه، وأخلص غايته، واستقام ميزانه، استطاع أن يحمل رسالة تتجاوز حدود القبيلة والقطر والعرق. تلك كانت أمة الإسلام في ربيعها الأول؛ فلم يكن مجدها صدفة عابرة في صفحات التاريخ.

 

كان وراء ذلك المجد إنسان تغيّر من داخله، فعرف لماذا يعيش، ولأجل ماذا يموت، وما الذي يستحق أن يُبذل له الغالي والنفيس.

 

انظر إلى حالنا اليوم؛ إلى أمة ورثت أعظم رسالة، وأغنى تراث، وأوسع جغرافيا، وأعداداً هائلة من البشر... انظر إلى حالها، ستجد أن الجرح ليس في قلة الإمكانات، وإنما في ابتعادها عن شريعة الله ومنهجه القويم الذي شرعه الله تعالى لها.

 

نتحدث كثيراً عن أمجاد الأجداد، حتى كأننا نحاول أن نستعير من موتانا جاهاً لا نملكه نحن!

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ونحن نتذكر ذلك المجد: أين نحن من تلك الأمة؟

 

ليس السؤال عن الأرض التي فقدناها، ولا عن القوة التي تراجعت، ولا عن كثرة أعدائها؛ فالأمم لا تسقط لأن أعداءها أقوياء فحسب، وإنما تسقط حين تفقد قدرتها على النهوض.

 

لقد ورثنا أسماء العظماء؛ نردد أسماء خالد وصلاح الدين وعمر بن عبد العزيز... لكن هل بقي فينا شيء من عزيمتهم؟ نتغنى ببغداد الرشيد حين كانت عاصمة العلم، ولكن ماذا قدمنا نحن اليوم؟

 

نتحدث عن كرامة الإنسان التي جاء بها الإسلام، بينما ما زالت كرامته في كل بلداننا رهينة الاستبداد والفقر والجهل!

 

إن المشكلة ليست أننا أمة بلا تاريخ، بل لعل مصيبتنا أننا نملك تاريخاً عظيماً ونكتفي بالفخر به. والتاريخ الذي لا يصنع الحاضر يتحول إلى قصيدة نتغنى بها، لا إلى قوة تدفعنا إلى الأمام.

 

لقد علمتنا الرسالة أن الأمم لا تُبنى بالانتساب، ولا بالشعارات، ولا بكثرة الخطب والكلام؛ بل تُبنى بالعدل والعلم والعمل واحترام الإنسان...

 

ولذلك فإن استذكار مولد النبي محمد ﷺ ليس مناسبة للبكاء على مجد مضى، ولا فرحة لترديد العبارات الجميلة، ثم نعود إلى واقعنا كما كنا. إنه سؤال يطرق مسامعنا: هل نستطيع أن نعيد اكتشاف الإنسان الذي صنعته تلك الرسالة؟

 

حين نتذكر أن رجالاً خرجوا من الصحراء ففتحوا أبواب الحضارة، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا فعل أجدادنا؟ بل نسأل: ماذا سنفعل نحن؟ فربما كان الربيع الذي نحتاجه هو ربيع العقول والمشاعر؛ ربيعاً يعيد للأمة ثقتها بنفسها، ويعيد إليها وحدتها وقوتها.

 

فيا أمة محمد ﷺ، لقد كان في بدايتك رجال لا يملكون من الدنيا إلا إيمانهم، فملكوا بها قلوباً وعقولاً وأمماً. فلا تجعلي من عظمة الماضي حجاباً يحجب عنك ضعف الحاضر، ولا تجعلي من أسماء الأجداد بديلاً عن عمل الأبناء؛ فالمجد لا يُورث كما تُورث الأموال، وإنما يُبنى من جديد في كل جيل.

 

ولعل أعظم ما يذكرنا به الربيع، ونحن نستعيد ذكرى صاحب الرسالة محمد ﷺ، أن الأمة التي استطاعت يوماً أن تنهض من قلب الصحراء لتغير وجه التاريخ، لا يزال بمقدورها أن تنهض من بين ركام واقعها.

 

فليس السؤال: هل كان لنا مجد؟ بل السؤال: هل نستحق أن يكون لنا مجد من جديد؟

 

نسأل الله تعالى أن يوفق العاملين لإعلاء كلمة الإسلام، الساعين إلى استعادة مجد الأمة، وأن يرزقهم الثبات، وأن يجمع حولهم قلوب المسلمين على الحق والخير.

 

كما نسأله تعالى ألّا يجعلنا ممن يكتفون بذكر أمجاد السابقين، ثم يعجزون عن حمل الأمانة في زمانهم، وألّا يستبدلنا. فما أكرمها من منزلة أن نكون ممن اختارهم الله تعالى لخدمة دينه، وما أخسرها من غفلة أن تضيع منا هذه الفرصة ونحن نظن أن التاريخ سيشفع لنا!

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع