الخميس، 16 صَفر 1448هـ| 2026/07/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من المعرفة إلى الشعور... رحلة الإيمان الحقيقية

 

ليس كلُّ من عرف الحقيقة عاشها، وليس كلُّ من حفظ النصوص ذاق حلاوة الإيمان. فبين المعرفة التي تستقر في العقل، والمعرفة التي تستقر في القلب، مساحة لا يقطعها الذكاء أو الحفظ، وإنما يقطعها الصدق والتدبر والعمل.

 

إن كثيراً من الناس يعلمون أن الله هو الخالق، وأنه الرازق، وأنه على كل شيء قدير، ولكن هذه المعاني قد تبقى حبيسة الأذهان، ولا تتجاوز حدود المعلومات.

فإذا ما اضطربت الحياة، واشتدت المحن، أو أظلم الطريق، اهتزت تلك المعارف؛ لأنها لم تتحول بعد إلى يقين نابض في القلب.

 

أما المؤمن الذي ارتقى في مدارج الإيمان، فإنه لا يحمل هذه الحقائق في ذاكرته فحسب، بل يحملها في وجدانه. فإذا قيل له: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، شعر بمعية الله سبحانه قبل أن ينطق بها لسانه، وإذا سمع قول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، سكنت نفسه، واطمأن قلبه، وانزاحت عنه وحشة الطريق؛ لأن الآية التي سمعها أصبحت حياةً يعيشها، لا كلماتٍ يرددها.

 

إن الإحساس الشعوري بالإيمان لا يولد فجأة، وإنما ينمو كما تنمو الشجرة الطيبة. يبدأ ببذرة من العلم الصحيح، ثم يسقيه التدبر، وتغذيه الطاعة، حتى تمتد جذوره في أعماق القلب، فلا تقتلعها رياح الفتن، ولا تعصف بها عواصف الشهوات.

 

لذلك لم يكن القرآن الكريم كتاب معلومات، وإنما كان كتاب تربية وصناعة للإنسان. كان ينزل على رسول الله ﷺ منجماً، ليصنع جيلاً يتفاعل مع كل آية، فيحولها إلى خُلُق، وإلى موقف، وإلى تضحية، وإلى صبر. فلم يكن الصحابة رضي الله عنهم يزدادون علماً فحسب، بل كانوا يزدادون إيماناً وشعوراً، وقرباً من الله تعالى، حتى صار القرآن يجري في حياتهم كما يجري الدم في العروق.

 

ومن هنا كانت السيرة النبوية مدرسة للمشاعر قبل أن تكون سجلاً للأحداث.

 

فالهجرة ليست انتقالاً من مكان إلى مكان، وإنما هي يقين يتحدى الخوف. ومعركة بدر ليست معركة عسكرية فحسب، وإنما هي ثقة بوعد الله عز وجل تتغلب على قلة العدد والعدة. والخندق كذلك ليس حفراً في الأرض، وإنما هو ثبات في القلب، حيث تزلزل الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر.

 

إن المسلم لا يبلغ حقيقة الإيمان حين يعرف أسماء الله الحسنى، وإنما حين يرى آثارها في حياته، فيتعلق قلبه بالرحمن في الشدة، ويأنس بالحكيم عند القضاء، ويرجو الكريم عند التقصير، ويطمئن إلى العدل عند البلاء.

 

عندها تتحول العقيدة من ألفاظ محفوظة إلى حياة نابضة، ومن معلومات متفرقة إلى شعور دائم يوجه الفكر، ويقود السلوك، ويثبت القدم.

 

وهذه هي التربية التي تحتاجها الأمة: أن تنتقل من ثقافة الحفظ إلى ثقافة الشعور والتذوق، ومن كثرة المعلومات إلى عمق الإيمان، ومن معرفة الدين إلى معايشته.

 

فالأمة لا ينهضها كثرة المتحدثين عن الإسلام، وإنما ينهضها رجال ونساء امتلأت قلوبهم بالإسلام، حتى صار هو الشعور الذي يحكم أفكارهم، والميزان الذي يَزِنُون به الحياة، والنور الذي يسيرون به بين الناس.

 

وما أحوجنا في هذا الزمن إلى هذا الإيمان الشعوري؛ إيمان لا يتغير بتغير الظروف، ولا يضعف أمام المغريات، ولا ينكسر أمام المحن؛ لأنه متصل بالله اتصال القلب بربه، لا اتصال الذاكرة بمعلوماتها. فإذا بلغ المؤمن هذه المنزلة، أصبح القرآن ربيع قلبه، وأصبحت العبادة راحته، وصار الإسلام حياته كلها، لا جزءاً من حياته.

 

وهنا تبدأ رحلة الاستخلاف الحق؛ لأن الله تعالى لا يستخلف أمة تحفظ دينها بألسنتها، وإنما يستخلف أمة يسري الإيمان في قلوبها، فتتحرك به، وتضحي من أجله، وتصبر عليه، حتى يصبح الإسلام روحها التي تحيا بها، ورسالتها التي تمضي بها إلى الناس.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع