السبت، 19 محرّم 1448هـ| 2026/07/04م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

حين يُباع الذهب... هل تبدأ الدول ببيع مستقبلها؟!

 

 

ليست كل الأزمات تُقاس بما تفقده الدول من عملات أجنبية، ولا بما ينخفض من قيمة عملاتها المحلية، فهناك خسائر لا تظهر على شاشات البورصات، لكنها تُسجَّل في دفاتر التاريخ الاقتصادي للأمم. وعندما تصل دولة إلى مرحلة تضطر فيها إلى تسييل جزء من احتياطياتها الذهبية من أجل الدفاع عن عملتها أو توفير السيولة، فإن السؤال لا يعود مالياً فحسب، بل يصبح سؤالاً استراتيجياً يتعلق بمستقبل الدولة وقدرتها على الصمود.

 

فالذهب لم يكن يوماً مجرد معدن نفيس، بل كان، على امتداد التاريخ، عنواناً للسيادة الاقتصادية، وملاذاً أخيراً تلجأ إليه الدول عندما تفقد الأدوات التقليدية قدرتها على حماية الاقتصاد. ولهذا لم تتوقف البنوك المركزية الكبرى عن زيادة احتياطياتها من الذهب خلال السنوات الأخيرة، إدراكاً منها أن العالم يتجه نحو مرحلة تتراجع فيها الثقة بالنظام المالي العالمي، وتتزايد فيها المخاطر الجيوسياسية.

 

في هذا السياق، كشفت بيانات البنك المركزي التركي أن احتياطي الذهب تراجع بنحو ستين طناً خلال فترة قصيرة، نتيجة عمليات بيع ومقايضة هدفت إلى توفير مليارات الدولارات من السيولة الأجنبية. حيث ذكرت وكالة رويترز، في 26/6/2026، أن احتياطيات الذهب انخفضت بنحو 50 طناً في أسبوع واحد، وهو أكبر انخفاض أسبوعي منذ عام 2018، واستناداً إلى بيانات البنك المركزي التركي، فإنه باع نحو 3 مليارات دولار من الذهب خلال أسبوع، إلى جانب بيع 26 مليار دولار من احتياطي النقد الأجنبي منذ بداية الأزمة، للحد من الضغوط التي تعرضت لها الليرة التركية. وبغض النظر عن حجم الكمية مقارنة بإجمالي الاحتياطي، فإن الرسالة التي يحملها هذا الحدث تتجاوز حدود تركيا، بل تغوص أعمق في طبيعة الاقتصاد العالمي في زمن الأزمات.

 

فالذهب يمثل اليوم آخر الأصول السيادية التي لا تعتمد قيمتها على وعد حكومة، ولا على التزام مصرف، ولا على ثقة الأسواق المالية. ولهذا يوصف بأنه "المال الذي لا يحمل مخاطر الطرف المقابل". وعندما تبيعه الدولة، فإنها لا تبيع مجرد معدن، بل تستهلك جزءاً من مخزون الأمان الذي ادخرته لمواجهة الأيام الأكثر صعوبة.

 

ولا يعني ذلك أن كل بيع للذهب يُعد خطأً اقتصادياً، فالبنوك المركزية قد تلجأ إليه ضمن إدارة احترافية للأزمات إذا كان البيع محدوداً ومؤقتاً، ويأتي ضمن خطة واضحة لإعادة بناء الاحتياطيات. لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول الذهب إلى وسيلة دائمة لتمويل العجز، أو للدفاع عن عملة تعاني من اختلالات هيكلية لا تعالجها عمليات الضخ المؤقتة.

 

إن الدفاع عن العملة عبر بيع الذهب يشبه، إلى حد بعيد، من يبيع سقف بيته ليصلح جدرانه! قد ينجح في تأجيل الانهيار، لكنه، في الوقت نفسه، يضعف البناء الذي كان يحتمي به عند اشتداد العواصف.

 

ولعل المفارقة اللافتة أن العالم يشهد، في الوقت نفسه، سباقاً محموماً بين البنوك المركزية لزيادة احتياطيات الذهب، بينما تضطر بعض الدول إلى بيع جزء من هذا الاحتياطي لمواجهة ضغوط آنية! فالدول الصاعدة، وعلى رأسها الصين والهند وعدد من الاقتصادات الكبرى، تنظر إلى الذهب باعتباره ركيزة للاستقلال المالي في عالم يتزايد فيه استخدام العقوبات الاقتصادية، وتتراجع فيه الثقة بالعملات الورقية، بينما تجد دول أخرى نفسها مضطرة إلى استهلاك هذا الرصيد الاستراتيجي للحفاظ على استقرارها النقدي!

 

وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى: إن الأزمات لا تبدأ يوم تنخفض قيمة العملة، وإنما تبدأ عندما تضطر الدولة إلى استنزاف أصولها الاستراتيجية لحماية تلك العملة. فالاحتياطيات الذهبية ليست ثروة معطلة، بل هي قوة ردع اقتصادية، ورسالة ثقة للأسواق، وضمانة للأجيال القادمة.

 

إن ما حدث في تركيا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره قضية تركية فحسب، بل باعتباره إنذاراً لكل الاقتصادات التي تعتمد على الحلول المؤقتة بدل معالجة الأسباب العميقة للأزمات. فالدول لا تُبنى بالاستدانة الدائمة، ولا بطباعة النقود، ولا ببيع احتياطياتها الاستراتيجية، وإنما ببناء اقتصاد حقيقي قائم على الإنتاج، وتعزيز الثقة، وتحقيق الاستقرار المالي.

 

وفي عالم يتجه نحو مزيد من الصراعات الاقتصادية والنقدية، سيبقى الذهب حصناً استراتيجياً لا يُقدَّر بثمن. أما الدول التي تضطر إلى استهلاك حصونها تباعاً، فإنها قد تنجح في تأجيل الأزمة، لكنها تخسر مع كل طن يُباع جزءاً من قدرتها على مواجهة المستقبل. فالثروات الاستراتيجية لا تُقاس بقيمتها السوقية فقط، بل بقيمتها يوم تعجز الأسواق كلها عن إنقاذك.

 

في هذا السياق الأوسع، لا يمكن فصل ما يحدث من بيع للذهب أو إعادة توزيع للاحتياطيات عن التحولات العميقة في بنية النظام النقدي العالمي، حيث تتجه العديد من الاقتصادات إلى تنويع احتياطاتها وتقليل الاعتماد على عملة واحدة مهيمنة، في ظل تصاعد التنافس الاقتصادي وتزايد استخدام الأدوات المالية في الصراعات الدولية. وهذا التحول يجعل الذهب أكثر من مجرد أصل احتياطي، بل جزءاً من إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية عالمياً.

 

إن رعاية الشؤون لا تكون بالاستسلام للواقع، ولا بأن تكون الإجراءات المتخذة مجرد رد فعل على أخطاء سابقة.

 

لقد كان الأجدر بتركيا أن تعيد النظر في اقتصادها برمته، فإن البلاد مليئة بالخيرات، وتمتلك طاقات بشرية ويداً عاملة، إلا أن القرار السياسي والاقتصاد أصبحا مرتهنين للخارج.

والحل الجذري لهذه المسألة، ولسائر المسائل التي تعاني منها جميع بلاد المسلمين، هو بالعودة إلى تحكيم شرع الله، واستئناف الحياة الإسلامية، والعودة إلى الذهب والفضة عملةً أساسية في الدولة، ولفظ جميع القوانين الرأسمالية، ومن يريدون تطبيقها من حكام خونة ومتنفعين ومرتزقة، همهم الوحيد امتصاص دماء الشعوب، وتحقيق المنافع الشخصية، والجشع الذي نغص على هذه الأمة حياتها، وأفقد العالم السعادة والراحة والطمأنينة.

 

إن عودة الإسلام إلى سدة الحكم هي الحل الوحيد ليعيد لهذا العالم رونقه، وينشر نوره وعدله في ربوع المعمورة.

 

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع