الأحد، 13 محرّم 1448هـ| 2026/06/28م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

ماذا قدمت لدينك؟ ماذا قدمت لنفسك؟

 

 

لو أن أحدنا رُزق ولداً، لجعل همه أن يختار له أجمل الأسماء، وأحسن اللباس، وأفضل التعليم، ولسهر على صحته وراحته ومستقبله، ولجمع له المال، ولذاد عنه بلسانه ويده، ولجعل حمايته شغله الشاغل.

 

ومع ذلك يقول الله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، فيا للعجب! إن الله الذي خلقنا من عدم، ورزقنا من فضله، وهدانا إلى الإسلام، بيّن لنا الغاية من وجودنا فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وأمرنا أن نحيا بالإسلام، وأن نحمل دعوته، وأن ننصر دينه، وأن نعمل لإقامة أحكامه في واقع الحياة، وأن نكون شهداء على الناس كما أراد لنا ربنا.

 

ثم حذرنا من أن تشغلنا الأموال والأولاد والشهوات عن هذه الغاية العظيمة، ولكن أكثر الناس جعلوا ما هو وسيلة غاية، وما هو فتنة مقصداً، وما هو زائل أكبر همهم، حتى أصبح الدين عند كثير منهم مجرد شعائر تؤدى، لا قضية يعيشون لها ويضحون من أجلها.

 

فيا للعجب! نحرص على وظائفنا أكثر من حرصنا على ديننا، ونغضب لأموالنا أكثر من غضبنا لحرمات ربنا، ونسهر لأجل دنيا نصيبها أو نفقدها، بينما تمر على الأمة النوازل العظام فلا تتحرك فينا إلا كلمات عابرة ومشاعر مؤقتة.

 

لقد أمرنا الله بالاعتصام بحبله جميعاً، ونهانا عن التفرق والاختلاف، وجعل رابطة العقيدة فوق كل رابطة، وجعلنا إخوة مهما اختلفت ألواننا وألسنتنا وأوطاننا.

 

ولكن الأمة التي كانت يوماً تقود العالم بالإسلام، أصبحت ممزقة بين حدود رسمها المستعمر، وأعلام رفعها المستعمر، ودساتير وضعها المستعمر، وأنظمة تحرس مصالح المستعمر. فاستُبدلت روابط القومية والوطنية برابطة العقيدة، والقوانين الوضعية بأحكام الإسلام، واستُبدلت التبعية بالعزة، والارتهان بالقيادة، والتشرذم بالوحدة.

 

فكانت النتيجة ما نراه اليوم: الأرض المباركة تُذبح، لبنان تستباح، أهل كشمير والأويغور يسحلون، اليمن والسودان وليبيا تتقلب في لظى الفتن والقتل والمحن، ومقدسات المسلمين تُدنَّس، وثرواتهم تُنهب، أهل الكنانة يطوق الفقر أعناقهم، وبلاد الرافين في سكرات المصائب، وأهلنا في بلاد الحرمين يدفعون للغواية والرذيلة، فلا يوجد بلد إسلامي إلا وقد لفّته مصيبة أكبر من أختها.

 

وجيوش المسلمين تُعطَّل عن أداء واجبها، والمسلمون بين قتيل ومشرد وأسير ومطارد، ثم نتساءل: لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟! إنه حال أمة أعرضت عن أعظم أسباب قوتها، وفرطت في أعظم ما تملك، وهو الإسلام نظاماً للحياة والدولة والمجتمع.

 

وحين يرتفع صوت العاملين المخلصين منادياً: يا أمة الإسلام، عودي إلى ربك، توحدي على عقيدتك، ارفضي التبعية للمستعمر وأعوانه، استعيدي سلطانك المسلوب. يا أمة الإسلام، انهضي لإقامة حكم الإسلام من جديد، إذا بكثير من الناس يغلق أذنيه قبل أن يسمع، ويعترض قبل أن يفهم، ويهاجم قبل أن يناقش!

 

فيا للعجب! يشكون الواقع ثم يحاربون مشاريع تغييره، ويبكون على الأمة ثم يثبطون العاملين لها، ويتألمون للمصائب ثم يُعرضون عن الطريق المؤدي إلى رفعها!!

 

فيا أمة الإسلام؛ يا شعوب المسلمين وجيوشهم، يا علماءهم ودعاتهم، يا رجالهم ونساءهم، يا شبابهم وشيبهم: إن الواجب اليوم ليس البكاء على الأطلال، ولا الاكتفاء بالحزن والأسى، بل العمل الجاد المخلص لاستئناف الحياة الإسلامية، وإعادة سلطان الإسلام إلى الأرض، وجمع المسلمين في كيان واحد يحكمهم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ.

 

ومن هنا يدعو حزب التحرير الأمة إلى أن تنهض بواجبها، وأن تخلع عنها أغلال الاستعمار الفكرية والسياسية، وأن تقتلع جذوره المتمثلة في الأنظمة العميلة والأفكار الدخيلة التي فرقت المسلمين وأضعفتهم. وهو يدعو إلى مشروع واضح لا غموض فيه، وإلى هدف ثابت لا يتغير، وإلى طريقة يراها مستنبطة من سيرة رسول الله ﷺ في إقامة الدولة الإسلامية.

 

فأبرئوا ذممكم أمام الله، وانظروا أين تقفون من قضية أمتكم، وأين تبذلون أعماركم وجهودكم. فإن الأيام تمضي، والأعمار تنقضي، والمرء سيقف بين يدي ربه فرداً ليسأله: ماذا فعلت لدينك؟ ماذا قدمت لأمتك؟ ماذا صنعت لنصرة الإسلام؟

 

واعلموا أن وعد الله حق، وأن بشارة رسوله ﷺ حق، وأن المستقبل لهذا الدين مهما اشتدت المحن وتعاظمت الخطوب ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.

 

فطوبى لمن كان من العاملين لهذا الوعد، والساعين لتحقيقه، والثابتين على طريقه، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.

 

فاسأل نفسك قبل أن تُسأل: ماذا قدمت لدينك؟ ماذا قدمت لنفسك عند لقاء القوي الجبار؟

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هيثم الصبري – ولاية اليمن

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع