الخميس، 04 ذو الحجة 1447هـ| 2026/05/21م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

قصة تراجع الدولار الطويلة أمام الذهب

 

 

"وإذا ارتفع سعر الذهب إلى الضعفين في أسبوع واحد ستتحول حالة الدولار من مستقر إلى سقوط حرّ". (الخبير الاقتصادي 35 سنة في وول ستريت، جيمس ريكاردس، مؤلف ما يزيد عن 10 كتب منها: حروب العملات، موت المال، الطريق إلى الخراب، الغربان، مباع بالكامل، الوضع الجديد للذهب، العواقب، الكساد العظيم ...الخ)

 

جاء إصدار الدولارات الذهبية الأول عام 1795م. يُعرف ذلك الإصدار باسم الحرية (Liberty Cap)، ونصف النسر (Half Eagle). كان حجمه ووزنه يعتمدان على الدولار الإسباني. سُك الإصدار بقيمة 5 دولار وزنه 8.359 غرام، 90% منها ذهب خالص. وعلى أساسه صدر أول دولار ذهبي 8.359 ÷ 5 = 1.672 غرام خلال الأعوام 1804م-1849م. صدر الدولار الذهبي بوزن 1.672 غرام - 90% منه ذهب خالص و10% نحاس - وبتعبير آخر كان وزن الذهب الخالص 1.505 غرام. فكان سعر الغرام الواحد من الذهب الخالص 1 ÷ 1.505= 0.6645 دولار. وقد صمد هذا الدولار الذهبي مع بقية العملات الذهبية والفضية الأخرى حول العالم. ومع زلزلة الحرب العالمية الأولى للعملات الذهبية والفضية حول العالم، نتيجة للطباعة الزائدة للنقود الورقية بدون تغطية ذهبية، ولوفرة ما لديها من ذهب، اقترحت أمريكا على الدول الأوروبية حين اجتمعت في جنوة بإيطاليا في العام 1922م لترتيب العودة إلى القاعدة الذهبية، أن لا حاجة للرجوع إلى القاعدة الذهبية.

 

وفي العام 1933م، وأثناء التعافي من الكساد العظيم 1928م، أصدر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت قانون المتاجرة مع العدو، لجمع ما بحوزة الأمريكيين من ذهب، مقابل حصولهم على دولارات ورقية، ومعاقبة من يتخلف عن تسليم ما بحوزته من ذهب لغرامات تصل إلى 10.000 دولار والسجن لا يتعدى 10 سنوات، بحسب ما أخفى من ذهب. وقد حصد روزفلت أكثر من 500 طن متري من الذهب. ليبدأ ظهور الأونصة الذهبية بوزن 31.1 غرام في التعامل، فقد حدد روزفلت سعرها بـ20.67 دولار، أي أنه تم الاعتماد في تسعيرها على سعر غرام الذهب الصافي 0.6645 دولار، فكان سعر الأونصة (31.1 × 0.6645 = 20.67 دولار).

 

المحطة القادمة للدولار، كانت مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1944م في مؤتمر بريتون وودز في ولاية نيوهامشاير، الذي ارتكز على الذهب من خلال الدولار الأمريكي، ليجعل من الدولار عملة عالمية. وقد فرضته أمريكا بقوتها التي لم يضاهيها فيها أحد وقتها. ورفضت مرة ثانية العودة إلى قاعدة الذهب، بحجة عدم كفاية الذهب لتوفير السيولة العالمية، والهدف المخفي هو سلب استقلالية الدول الأوروبية، وربطها بالدولار الذي وُصِفَتْ هيمنته بعد حين بالهيمنة النووية.

 

لكن الأونصة هذه المرة حدد سعرها بـ 35 دولارا، ليسجل الدولار تراجعه الأول أمام الذهب، فبدلاً من سعر الغرام الواحد 0.6645، دولار فقد ارتفع ليصل إلى 1.125 دولار. وحددت الدول الأخرى أسعار صرف عملاتها بالنسبة لقيمة الدولار من الذهب. وتعهدت أمريكا ببيع وشراء الذهب للبنوك المركزية، وتبديل الدولارات بسعر الأونصة الجديد. لكنها سرعان ما نكصت عنه في الستينات، حينما رأت حركة استبدال كبيرة من الأوروبيين حاملي دولاراتها بالذهب من خزائنها، ومطالبة الرئيس الفرنسي تشارل ديغول عام 1969م بتبديل ما لديه من دولاراتها بالذهب. فجأة ومن دون سابق إنذار، قرر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون فصل الدولار عن الذهب عام 1971م. لينتقل الدولار إلى مرحلة تراجع ثانية أمام الذهب، ارتفع فيها الذهب بين عامي 1977-1980م 500%، أي أن سعر أونصة الذهب قفزت إلى 175 دولارا، وسعر الغرام إلى 5.6 دولار. ولم يكن أمام أمريكا سوى الاستعانة بصندوق النقد الدولي وتسوية الأمر، بوحدات السحب الخاصة.

 

وفي أواخر عام 2008م حدثت الأزمة المالية العالمية (يقدّر الاقتصاديون أنها أدت إلى ضياع 60 تريليون دولار في الذعر الذي تلا انفجارها)، حدثٌ سجّل فيه الدولار تراجعاً ضخماً في قيمته أمام الذهب، هو التراجع الثالث، حين ارتفع سعر أونصة الذهب في العام 2014م إلى 1950 دولارا، أي أن غرام الذهب قفز إلى 62.7 دولار. وكان ذلك نتيجة لتراكم المعالجات الاقتصادية الخاطئة، ومنها الطباعة المهولة التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي، التي بلغت 3 تريليون دولار.

 

ومع تنبه العالم لضياع قيمة الدولارات الورقية التي بين أيديهم، اتجهت البنوك المركزية سراً عام 2012م، وعلناً بعدها بسنوات إلى استبدال كتلاتها النقدية من الدولارات بأطنان الذهب، بدأتها بـ15-30% من حجم كتلاتها، وتجاوزت بعض البنوك هذا الرقم. وفي نيسان/أبريل 2025م بدأ التراجع الرابع للدولار أمام الذهب، وبلغت معه أونصة الذهب في شباط/فبراير 2026م 5600 دولار للأونصة، أي بلغ سعر غرام الذهب 180 دولارا. هنا قامت الدنيا داخل أمريكا من الإدارة والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بمساعدة سلسلة من البنوك الأمريكية والأثرياء، لوقف تدهور الدولار أمام الذهب.

 

إلى جانب التيسير الكمّي (التيسير الكمي (Quantitative Easing (QE هو طباعة النقود الورقية من دون تغطية ذهبية لتغطية حاجة السوق وأكثر. ما يؤدي إلى خفض قيمة العملة أمام غيرها من العملات العالمية وإلى زيادة معدل التضخم. ويعتبر من قبيل حرب العملات الذي يؤدي إلى تدمير اقتصادات العالم) بتريليونات الدولارات، جاءت مطالبة البيت الأبيض بخفض أسعار الفائدة، وإصدار بيانات خفض معدل التضخم والوظائف الجديدة، وحركات بيع الذهب بالجملة بغية خفض سعره. وشاركت فيها بنوك من خارج أمريكا كتركيا وأذربيجان.

 

كل ذلك لم يجد نفعاً، سوى تراجع أسعار الذهب، وستعاود معه حيث كانت وزيادة. لأن المعالجات الاقتصادية بقيت خاطئة، ووضعت لعرقلة أو تأجيل ارتفاع الذهب أمام الدولار. ويرى تاينتر أن "الانهيار، إذا حلّ من جديد، سيكون هذه المرة شاملاً. لم يعد في وسع أي دولة واحدة أن تنهار، بل ستتلاشى الحضارة العالمية كلها". (حروب العملات. جيمس ريكاردس ص288)

 

إن انهيار الدولار يعني انهيار النظام المالي العالمي، ومعه ستضيع أموال الناس حول العالم. فكان لا بد للعقلاء من الناس العودة للقاعدة الذهبية في التعامل بالنقود الورقية، أي لا بد من جعل النقود الورقية تنوب عن الذهب في التعامل، وليس جعلها إلزامية بقوة القانون. فقد نتج اليوم عن التعامل بالأوراق النقدية الإلزامية امتلاء جيوب الناس بأوراق فقدت قوتها الشرائية بانخفاض قيمتها. وتحول الاقتصاد الحقيقي إلى اقتصاد وهمي ضاعف قيمة ما في الأسواق إلى 40 ضعفاً!

 

إن التعامل بالأوراق النقدية المغطاة بالذهب يعود في النهاية بالاستقرار الاقتصادي، واختفاء التضخم، والعودة بالاقتصاد إلى الاقتصاد الحقيقي لا الاقتصاد الوهمي الحاصل اليوم. وإن النظام الاقتصادي في الإسلام يشكل بصيص أمل للعالم، فالنقود فيه مغطاة بنظام المعدنين الذهب والفضة.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس شفيق خميس – ولاية اليمن

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع