الأربعاء، 23 شعبان 1447هـ| 2026/02/11م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حضارة تُبنى على الجسد وتنهار في الإنسان

 

ليست كل حضارة تقدّماً، ولا كل ما يلمع دليلَ رُقيّ. فثَمّة حضارات تهدم من الداخل حين تُفرغ الإنسان من قيمته، وتحوّل الجسد إلى سلعة، والأخلاق إلى عناوين، والحياء إلى تُهمة.

 

أخطر ما أصاب الإنسان المعاصر ليس الفقر ولا الجهل، بل تطبيع الانحطاط ومنحه صفة الحرية. فحين تُقدَّم المتاجرة بالجسد حقّاً، ويُسوَّق الانفلات الأخلاقي على أنه تحرّر، نكون أمام انقلاب في المعايير. ولم يعد هذا الانهيار حبيس الهامش أو الظل، بل تسلّل إلى قمة الهرم السياسي نفسه. فما ظهر في وسائل التواصل، ومن خلال الإعلام، من صور وتسريبات فاضحة منسوبة لحكّام ورؤساء دول تُصنَّف ضمن الدول العظمى، يكشف وجهاً صادماً للتناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة. أولئك الذين ينصّبون أنفسهم أوصياء على القيم، ويتصدّرون نموذج "التحضّر" ظاهرياً، يمارسون سلوكيات لا تنتمي إلا لمنظومة ترى في الجسد متعة عابرة، وفي السلطة حصانة.

 

القضية هنا ليست فضيحة أخلاقية بقدر ما هي فضيحة حضارية، حين يسقط رأس الهرم قيمياً. إن الحضارة التي تفصل التقدّم المادي عن القيم، وتمنح القوة بلا إنسانية، لا تُنتج قدوة، بل تصنع طغاةً منحرفين: حضارة تبيح كل شيء في الخفاء، ثم تُجرّم الضعفاء في العلن، حضارة تُحرّر الشهوة وتُقيّد المشاعر. ومن ارتدى ثوب التقدّم وهو عارٍ من القيم، فليس حضارة، بل سقوط أخلاقي وإفلاس روحي. وإذا كان الانحلال في المجتمعات نذير خطر، فإن الأخطر منه أن يتسلّل إلى قمة الهرم السياسي.

 

إن هذه الممارسات المكشوفة، بما تحمله من إفراط وانفلات وتجريدٍ للآخرين من كرامتهم، تؤكّد أن ما يُسمّى الحرية الغربية، حين تنفصل عن الأخلاق، تنحدر إلى بهيمية مقنّعة: حرية لا تعرف حدوداً، ولا تعترف بالحياء، ولا ترى في الإنسان إلا جسداً قابلاً للاستهلاك.

 

ما نشهده اليوم ليس فضائح أفراد، بل انكشاف منظومة تمتلك القوة، لكنها فقدت المعنى.

 

لقد بات العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى في أمسّ الحاجة إلى حضارة تعيد للإنسان قيمته، وللجسد حرمته؛ حضارة لا ترى الإنسان آلة إنتاج، ولا جسداً للاستهلاك، ولا رقماً في السوق، بل كائناً مكرّماً له غايته ورسالته. حضارة لا بوصفها خطاباً وعظياً، ولا ذاكرة تاريخية، بل مشروعاً حضارياً متكاملاً يمزج بين الروح والمادة، ويوازن بين الحرية والمسؤولية، ويجعل القيم النبيلة شرطاً للتقدّم لا عائقاً أمامه. حضارة لا يكون فيها الإنسان "حيواناً متطوّراً"، بل مخلوقاً مكرّماً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، حضارة لا يكون فيها الإنسان كائناً تائهاً بلا غاية، ولا عبداً لشهواته، بل صاحب إرادة كما أراده الله أن يكون: خليفة في الأرض، مستخلفاً لا متسلّطاً.

 

إن العالم الذي أرهقته الازدواجية، وفضحته تناقضات قادته، واختنق تحت وطأة حضارة استهلاكية بلا روح، بحاجة إلى نموذج يعيد التوازن؛ نموذج لا يرفع شعار الحرية ليبرّر الانحلال، ولا يرفع شعار القيم ليُكرّس الاستبداد. فالحضارة الإسلامية ليست مشروع هيمنة، بل مشروع إنقاذ للإنسان والمجتمع من التفكّك والضياع، وللسياسة من الانفصال عن الأخلاق. وحين تُحفَظ كرامة الإنسان، وتُضبط الشهوة بالقيم، وتُربط السلطة بالأمانة، حينها فقط يمكن أن نتحدّث عن حضارة.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع