السبت، 05 شعبان 1447هـ| 2026/01/24م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تراجع الإنفاق على التعليم والصحة في مصر جريمة

 

تراجع الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية في مصر ليس مجرد خلل إداري أو سوء تقدير مالي، بل ظاهرة بنيوية تعكس طبيعة النظام الحاكم ووظيفته الحقيقية، وتكشف بوضوح موقع الإنسان في سلّم أولوياته. فحين تُظهر التقارير الدولية والحقوقية وعلى رأسها تقارير هيومن رايتس ووتش أن الدولة المصرية تنفق ما يقارب 1.5% فقط من الناتج المحلي على التعليم، ونحو 1.1% على الصحة، في وقت يُلزم فيه الدستور نفسه بإنفاق ما لا يقل عن 6% للتعليم و3% للصحة، فإننا لا نكون أمام أزمة موارد، بل أمام خيار سياسي واعٍ، وانحراف مقصود في وظيفة الدولة.

 

حقيقة الأزمة بالأرقام لا بالدعاية الرسمية

 

تشير الميزانيات الرسمية للعام المالي 2025/2026 إلى أن:

 

- الإنفاق الحقيقي على التعليم (بعد احتساب التضخم) هو الأدنى منذ سنوات، بل أقل بنحو 39% مما كان عليه في السنوات الأولى بعد 2013.

 

- الإنفاق على الصحة لم يقترب في أي سنة من الحد الدستوري، وبقي محصوراً بين 1% و1.4% من الناتج المحلي.

 

- أكثر من 60% من الإنفاق الصحي يتحمله الإنسان من جيبه الخاص، في مخالفة صريحة لمفهوم "الخدمة العامة" الذي يتشدق به النظام.

 

- نقص حاد في المعلمين، وتكدس فصلي يتجاوز 60 و70 طالباً في الفصل الواحد، وعجز في أعداد الأطباء والممرضين يدفع إلى الهجرة الجماعية من القطاع العام.

 

هذه الأرقام لا تُقرأ بمعزل عن السياق العام، بل يجب ربطها بحقيقة أن خدمة الدين وحدها تبتلع أكثر من نصف الإنفاق العام، وأن الدولة جعلت سداد الديون أولوية مقدسة، حتى لو كان الثمن سحق أبسط حقوق الناس.

 

وهم الإصلاح داخل المنظومة نفسها

 

يروج البعض لفكرة "الإصلاح التدريجي" عبر زيادة نسب الإنفاق أو تحسين الإدارة، لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية إذ لا يمكن لنظام قائم على عقيدة فاسدة أن ينتج سياسات عادلة.

 

فما دام الربا أساس الاقتصاد، والتبعية والارتهان أصل السياسة، وإرضاء الغرب مقدماً على إرضاء الله، ورعاية مصالح الغرب مقدمة على طاعة الله ورعاية الناس الذين أوجب الله على الدولة رعايتهم، فإن أي إصلاح سيكون شكلياً، وسرعان ما يُبتلع داخل المنظومة نفسها. إن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في الأصل الذي تُبنى عليه الدولة، فالرأسمالية وديمقراطيتها هي أصل الداء والإسلام هو وحده الدواء.

 

ما هي وظيفة الدولة أصلاً؟

 

ينطلق الإسلام من تصور مغاير جذرياً لوظيفة الدولة. فالدولة في الإسلام راعية لا جابية، وُجدت لرعاية شؤون الناس لا لإدارة مصالح رأس المال أو تنفيذ إملاءات الدائنين. قال رسول الله ﷺ: «الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، والرعاية مفهوم شامل لضمان إشباع الناس لحاجاتهم الأساسية وجوبا على الدولة؛ للفرد حتى يصل لحد الكفاية في المأكل والملبس والمسكن، وللمجتمع لضمان الأمن والرعاية الصحية والتعليم على أعلى مستوى ممكن وبالمجان للجميع مسلمين وغير مسلمين، ويستوى في حق الرعاية وواجب الدولة الغني والفقير، فالرعاية هنا ليست شعاراً أخلاقياً، بل هي حكم شرعي مُلزِم، يشمل رعاية التعليم وتمكين الناس منه وأن يكون على أساس عقيدة الإسلام، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ويشمل الرعاية الصحية، لأن حفظ النفس من مقاصد الشريعة التي أوجب الإسلام الحفاظ عليها ووضع التشريعات التي تحميها وأوجب على الدولة رعايتها وحمايتها. والأمن بحيث يعيش الناس في ظل عدل الإسلام بلا خوف بعيدا عن الرأسمالية وجشعها وتوحشها. وعليه، فإن تقصير الدولة في توفير التعليم والصحة وعدم توفير الأمن ونشر الخوف هو تقصيرٌ شرعي قبل أن يكون إدارياً، ويُعد ظلماً بيّناً تُحاسب عليه.

 

التعليم في الإسلام فرض كفاية تتحمله الدولة

 

التعليم في الإسلام ليس سلعة، ولا خدمة اختيارية، ولا امتيازاً طبقياً، بل هو فرض كفاية إذا لم تقم به الدولة أثمت، وأداة أساسية لحفظ الدين والعقل، وهما من الضروريات الخمس.

 

وقد ثبت تاريخياً أن دولة الخلافة كانت تنفق بسخاء على المدارس، والمكتبات، والعلماء. وكانت رواتب المعلمين تُصرف من بيت المال، ولم تُحمِّل الدولة الناس كلفة تعليم أبنائهم، بل اعتبرته حقاً مكفولاً.

 

أما في مصر اليوم، فقد حُوِّل التعليم إلى منظومة امتحانات بلا علم، وسباق دروس خصوصية، ومدارس وجامعات استثمارية رأسمالية غايتها الربح، وفوق هذا مناهج تبني ثقافة غربية وتقتلع ما تبقى من أفكار الإسلام في أبنائنا. فصار التعليم عبئا مالياً يرهق الأسر. وكل ذلك نتيجة تجفيف متعمد للإنفاق العام على التعليم، لصالح مشروعات استعراضية أو التزامات مالية خارجية، لينتج جيل لا يتعلم ولا يعلم ولا يفكر، وبالتالي يكون سهل الانقياد لأفكار الغرب.

 

الصحة في الإسلام حق لا يُترك للسوق

 

حفظ النفس مقصد شرعي، ومن ثم فإن الرعاية الصحية واجب على الدولة، لا تجوز خصخصتها أو تركها لمنطق الربح والخسارة، وإن أباح الشرع الاشتغال والتربح من خلالها للأفراد، قال النبي ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافىً فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (رواه الترمذي) فكيف بدولة تُفرغ المستشفيات العامة من الأطباء، وتدفع الناس دفعاً إلى المستشفيات الخاصة، وتترك الفقير يختار بين المرض والموت؟

 

إن جعل الصحة سلعة، وربطها بالقدرة على الدفع، محرّم شرعاً لأنه يفضي إلى إهلاك النفوس.

 

السبب الحقيقي للأزمة النظام الاقتصادي الرأسمالي

 

لا يمكن فهم ما يجري بمعزل عن تبنّي النظام الرأسمالي، الذي يقوم على تقديس الدين والربا، وإخضاع السياسات الداخلية لإملاءات صندوق النقد الدولي، وتقليص دور الدولة في الرعاية، وتوسيعه في الجباية والقمع.

 

هذا النظام يفرض التقشف على الشعوب لا على النخب، ويعتبر التعليم والصحة نفقات لا واجبات، ويقدّم خدمة الدين على خدمة الإنسان؛ ولذلك، فإن كل حديث عن إصلاح داخل هذا الإطار هو وهم، لأن المشكلة ليست في سوء التطبيق، بل في فساد الأصل.

 

مخالفة صريحة للدستور الذي خطوه بأيديهم كصنم العجوة، ومع ذلك لا مساءلة! والمفارقة الفاضحة أن النظام نفسه يكتب في دستوره نسباً واضحة للإنفاق، ثم يلتف عليها بحيل محاسبية، ويحتسب بنوداً لا علاقة لها بالتعليم أو الصحة ضمنها. ومع ذلك، لا توجد محاسبة سياسية، ولا رقابة حقيقية، ولا قضاء يُلزم الدولة بنصوص الشرع أو حتى ما صنعوه بأيديهم! وهذا يؤكد أن الدستور نفسه ورقة تجميلية لا مرجعية مُلزِمة، طالما أن السيادة ليست للشرع ولا للأمة.

 

إن الحل الجذري لا يكون بزيادة نسب هنا أو هناك، بل بـاقتلاع النظام الرأسمالي من جذوره بكل أدواته ورموزه ومنفذيه، وإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والانعتاق من التبعية للغرب بكل أشكالها وصورها، ومن ثم اعتماد النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يمنع الربا، ويجعل الثروات ملكاً للأمة، ويوجّه الإنفاق نحو الرعاية لا القمع؛ ما يجعل التعليم والصحة خدمات عامة مجانية عالية الجودة، ويوجه موارد الأمة الهائلة لا سيما في بلاد المسلمين لخدمة الإنسان لا نهبا للغرب.

 

يا أهل مصر: إن ما تعانونه اليوم في تعليم أبنائكم، وفي علاج مرضاكم، ليس قدراً محتوماً، ولا نتيجة فقر الموارد، بل هو ثمرة نظام جائر، حاد عن الإسلام، وجعل رضا الخارج أولى من رعاية الداخل.

 

وإن الإسلام الذي أنشأ أعظم حضارة في التاريخ، لقادر إذا طُبِّق كاملاً أن يعيد للإنسان كرامته، وللدولة وظيفتها، وللأمة مكانتها. ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع