الأحد، 26 صَفر 1448هـ| 2026/08/09م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
الفوسفات: ملكية عامة تتنافس عليها القوى الاستعمارية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفوسفات: ملكية عامة تتنافس عليها القوى الاستعمارية

 

 

الخبر:

 

دعت سفارة الولايات المتحدة في تونس ومكتب تنسيق المساعدات التابع لمكتب شؤون الشرق الأدنى إلى تقديم طلبات للاستفادة من مبادرة جديدة كبرى تهدف إلى دعم الاستثمار الشفاف للقطاع الخاص في قطاع الفوسفات في تونس، تحت عنوان: "تأمين سلاسل إمداد الولايات المتحدة بالمعادن الحيوية - تونس".

 

وأضافت السفارة أنها تبحث عن مؤسسات مبتكرة للمساعدة في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية، وتطوير المعايير الفنية في مراحل الإنتاج المتقدمة، ودعم سلاسل توريد عالمية مرنة وشفافة مقابل منحة قيمتها تتراوح من 1,000,000 إلى 1,536,511 دولاراً أمريكياً (منحة واحدة) وحددت مدة تنفيذ المشروع من 18 إلى 24 شهراً. (موقع آخر خبر في 2026/08/07)

 

التعليق:

 

قد يبدو خبر المنحة الأمريكية الموجهة إلى قطاع الفوسفات التونسي مجرد خبر اقتصادي آخر، لولا أنه يأتي في لحظة دولية تتغير فيها قواعد المنافسة على الموارد وسلاسل الإمداد. فالولايات المتحدة تبحث عن مصادر أكثر تنوعاً للمواد التي تحتاجها صناعاتها، والصين توسع حضورها في قطاعات التعدين والتحويل والصناعات الجديدة، وأوروبا لا تريد أن تجد نفسها متأخرة عن الطرفين في سباق باتت فيه المعادن والمواد الخام جزءاً من الأمن الصناعي والاستراتيجي للدول. ومن هنا ينبغي أن نقرأ الخبر ليس باعتباره حدثاً معزولاً، وإنما باعتباره نافذة جديدة تطل بنا على حقيقة الأزمة التونسية.

 

ففي زمن تزداد فيه أهمية الليثيوم والكوبالت والنيكل والغرافيت والمنغنيز والعناصر الأرضية النادرة وغيرها من المعادن والمواد التي أصبحت تدخل في البطاريات والإلكترونيات والطاقة والصناعات المتقدمة، تتسابق القوى الكبرى مع الزمن من أجل تأمين مصادرها وسلاسل توريدها في عالم يحكمه الجشع الرأسمالي. وفي هذا السباق لا تكفي ملكية المنجم، لأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الاستخراج والمعالجة والتكرير والتصنيع والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق.

 

وهنا نعود إلى المعادلة نفسها التي صنعها الاستعمار على عينه: لدينا الموارد والثورات، ولكننا نفتقد بالقدر الكافي القدرة على تحويلها إلى قوة اقتصادية.

 

فالفوسفات موجود، والموقع الجغرافي موجود، والكفايات موجودة، والبنية الصناعية موجودة، والسوق الأوروبية على مرمى حجر، ومع ذلك لا تزال دولة الاستقلال الوهمي تبحث عن التمويل والشريك والتكنولوجيا لإحياء قطاعات تعرف أنها كانت قادرة في وقت سابق على توفير موارد مهمة للاقتصاد. وهنا تتحول الثروة من مصدر للقوة إلى مصدر لتنافس الجهات الاستعمارية، بعد أن تحولت تونس من خامس منتج عالمي للفوسفات إلى مستورد لهذه المادة.

 

فالدولة التي تستطيع استثمار مواردها بنفسها تدخل المفاوضات مع المستثمر الأجنبي من موقع الشريك، أما الدولة التي تعجز عن تعبئة مواردها فتدخلها من موقع المحتاج. وحين يحتاج صاحب المورد إلى رأس المال والتكنولوجيا والأسواق التي يملكها الطرف الآخر، يصبح ميزان القوة مختلاً، حتى وإن بقي المورد تونسياً من الناحية القانونية.

ولعل اهتمام الصين المتزايد بقطاع الفوسفات ومناجم تونس يوضح جانباً آخر من الصورة. فالصين لا تنظر إلى الموارد بالضرورة باعتبارها مواد خاماً فحسب، وإنما باعتبارها حلقات في سلاسل صناعية متكاملة. وفي الوقت نفسه، يظهر اهتمام آخر لها بالصناعات الجديدة، ومن بينها مشروع لإنتاج بطاريات الليثيوم في تونس. فهل نملك نحن مشروعاً يجعل مصالح هذه القوى المتنافسة تعمل لصالح تونس؟!

 

فأمريكا تريد تنويع سلاسل إمدادها وتقليل المخاطر المرتبطة باعتمادها على مصادر محددة. والصين توسع حضورها الصناعي والتجاري في العالم. وأوروبا شريك تونس التقليدي وأقرب أسواقها، تدرك بدورها أن العالم يدخل مرحلة جديدة من المنافسة على المعادن والتكنولوجيا والصناعة، وأن التأخر في هذا السباق قد يكلفها كثيراً.

 

أما تونس فتتهيأ لدخول هذه المنافسة الشرسة بقدرة تفاوضية محدودة وبتوقف للإنتاج. وهذه هي المفارقة الكبرى والمأساة الحقيقية. القوى الكبرى تتنافس على الموارد، بينما تعاني تونس صاحبة الموارد من العجز عن تعبئتها.

 

إن الخلل أعمق من مجرد سوء إدارة قطاع الفوسفات أو تأخر مشروع منجمي. نحن أمام أزمة دولة لم تنجح في تحويل الثروة الطبيعية إلى قدرة مالية وصناعية وتكنولوجية وسياسية. فأمريكا لا تهب الأموال بلا مقابل، والصين لا تريد الاستثمار في المناجم والبطاريات لإخراج البلاد من أزماتها، بل لتقوية اقتصادها، وأوروبا كذلك تريد تأمين مصالحها في جوارها المتوسطي، ولكن المشكلة أن تونس لا تمتلك أي فرصة لفرض شروطها، بل هي مكبلة بقيود الاستعمار وأدواته وتشريعاته.

 

فالسيادة ليست أن تبقى الثروة مسجلة باسم الدولة، وإنما أن تمتلك الدولة القدرة على استخراجها وتحويلها وتصنيعها وتسويقها، وتوزيع عائداتها على المسلمين لأنها ملكية عامة، وهذا حكم شرعي في حقنا.

 

إن تونس جزء من بلاد إسلامية واسعة، وإن الفوسفات الذي يستخرج من أرضها ليس ملكاً لحكومة عابرة، ولا امتيازاً يمنح لمن يملك رأس المال، وإنما هو من الثروات التي وهبها الله لنا، واستنزفها الكافر المستعمر، ومن ثم ينبغي أن تعود عائداتها لنا فتوزع توزيعا عادلا، وأن تستثمر الدولة في الإنسان والبنية التحتية والمعرفة، لا أن تظل عالة على الآخرين. فهل نريد اقتصاداً يجعل الثروة ملكاً لمن يستطيع الاستحواذ عليها، أم نظاماً يجعل الثروة ملكاً لمن أنشئت من أجلهم الدولة أصلاً، وهم أبناء الشعب؟

 

الجواب لا يأتي من جمهورية بلا جمهور، وإنما نجده في نظام الإسلام وأحكامه العادلة التي ستطبقها دولة الخلافة الراشدة القائمة قريبا بإذن الله، لتخلص البشرية من جشع الرأسمالين ونهبهم للثروات، وإن بشائرها قد لاحت في الأفق وقد اهتزت أسس بنيان نظامهم الرأسمالي المتعفن، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع