- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
زيارة طارق رحمن إلى الصين: الخطاب مقابل الواقع الجيوسياسي
الخبر:
أسفرت الزيارة الرسمية الأولى لرئيس وزراء بنغلادش طارق رحمن إلى الصين، التي استمرت أربعة أيام، عن سلسلة متوقعة من الاتفاقيات التي شملت التجارة والتكنولوجيا الخضراء. غير أن أهميتها الحقيقية تكمن في إحياء مشروع بنية تحتية واحد ظل متعثراً لفترة طويلة، وهو مشروع الإدارة الشاملة لنهر تيستا وإعادة تأهيله. فبعد أن كان هذا المشروع محصوراً في هامش التكهنات الدبلوماسية، برز الآن كعنصر محوري في شراكة استراتيجية آخذة في التعمق بين دكا وبكين، ما يشير إلى انتقال من مجرد النوايا السياسية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. وتمثل استراتيجية رحمن تطبيقاً لسياسة خارجية متعددة المسارات؛ فبدلاً من الانخراط في خيار ثنائي بين بكين ونيودلهي، تسعى دكا إلى تعظيم المكاسب الاقتصادية من كلا الطرفين، مع الحرص الشديد على الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي.
التعليق:
تُعرض زيارة طارق رحمن إلى الصين التي استمرت من 23 إلى 26 حزيران/يونيو 2026 على أنها خطوة نحو سياسة خارجية تقوم على مبدأ "بنغلادش أولاً"، مستلهَمة من برنامج حزب الشعب البنغالي الذي يتبنى سياسة "الاستقلال يحفظ الكرامة". غير أن هذا الخطاب، في الواقع، لا يحمل وزناً يُذكر. فبنغلادش ما تزال دولة صغيرة في ساحة جيوسياسية تُحدد شروطها القوى الغربية وحلفاؤها الإقليميون. ويتجلى هذا الخضوع بوضوح في اتفاقية التجارة المتبادلة مع أمريكا، وهي صفقة غير متكافئة تُجبر بنغلادش على استيراد طاقة أمريكية بقيمة 15 مليار دولار على مدى 15 عاماً، وشراء 14 طائرة من شركة بوينغ، واستيراد منتجات زراعية أمريكية بقيمة 3.5 مليار دولار سنوياً. والأثر المالي لذلك بالغ القسوة: إذ تُمنح آلاف السلع الأمريكية دخولاً معفياً من الرسوم الجمركية، بينما خُفِّضت التعرفة الجمركية على صادرات بنغلادش بنسبة نقطة مئوية واحدة فقط - في مفارقة يظهر فيها تعبير "تلتزم بنغلادش" 158 مرة في الاتفاق، مقابل تسع مرات فقط لعبارة تلتزم أمريكا. ويتعزز الخضوع العسكري عبر المفاوضات بشأن اتفاقيتي GSOMIA وACSA - وهما اتفاقيتان دفاعيتان تُلزمان بنغلادش بمشاركة معلومات استخباراتية مصنفة وتقديم دعم لوجستي للقوات الأمريكية، ما يعني فعلياً التنازل عن السيادة الاستخباراتية. وتؤدي هذه الاتفاقيات إلى تقويض استقلال بنغلادش وتوسيع نطاق الوصول العسكري الأجنبي. كما أن الإدارة السابقة قد فرّطت في استقلالها لصالح الهند بموافقة أمريكية ضمنية، ما جعل بنغلادش دولة تابعة غير قادرة على الخروج من موقعها التبعي.
تمتلك بنغلادش كل ما تحتاجه للوقوف على قدميها والانطلاق فعلياً نحو قيادة هذه المنطقة، لا مجرد اتباع الأوامر الصادرة من واشنطن أو غيرها. فهي تقع جغرافياً عند ملتقى جنوب وجنوب شرق آسيا، وتطل على خليج البنغال، وتضم تعداداً سكانياً شاباً ضخماً، ومصانع متنامية، وأراضي خصبة، وهذه ليست أموراً هينة، بل مزايا منحها الله لها ينبغي أن تجعلها لاعباً فاعلاً لا تابعاً ضعيفاً. ومع ذلك، لم تصل إلى هذا المستوى بعد! والحقيقة أن السبب لا يعود إلى نقص الموارد أو القدرات، بل إلى قيادة تبدو مرتاحة لإرضاء الغرب بدل الدفاع عما يخدم مصلحة بنغلادش فعلياً. فلا يمكن الادعاء بالسيادة مع الاستمرار في الانحناء عند كل ضغط خارجي. فالاستقلال الحقيقي يقتضي اتخاذ قرارات صعبة، وتنويع الشركاء التجاريين، وضمان خلو الاتفاقيات الدفاعية من الشروط الخفية، والحفاظ على كرامة الأمة في المقام الأول. إن ما تحتاجه البلاد حقاً هو نمط مختلف من القيادة، قائم على القيم الإسلامية في العدل والعزة، لا على التبعية. قيادة تدرك أن الخلافة ليست مجرد شعار، بل نظام حقيقي لا يُسمح فيه لأي قوة أجنبية بفرض إملاءاتها. وإلى أن تظهر مثل هذه القيادة، ستبقى بنغلادش طرفاً سلبياً في لعبة جيوسياسية تُعامل فيها مصالحها، في أفضل الأحوال، كأمر ثانوي.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
ارتضاء تشودري – ولاية بنغلادش



