- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سندات جديدة وقيود أعمق: لماذا لن تُنقذ الديونُ مصر؟
الخبر:
نقلت الأهرام أونلاين في الخامس من شباط/فبراير 2026 أن وزير المالية المصري أحمد كجوك أعلن أن الحكومة المصرية تخطط لإصدار سندات دولية بقيمة تقريبية 2 مليار دولار بنهاية السنة المالية 2025/2026 (التي تنتهي في 30 حزيران/يونيو 2026) بهدف تنويع أدوات التمويل وتقليل تكلفة الاقتراض وجذب مستثمرين جدد. جاء الإعلان خلال القمة التاسعة لأسواق المال، حيث أشار الوزير أيضاً إلى أن هناك اهتماماً قوياً من المستثمرين بسندات الخمس سنوات، وأن الحكومة تسعى إلى طرح سندات للمستثمرين الأفراد بالإضافة إلى السعي لخفض الدين الخارجي لموازنة الكيانات الحكومية وتحسين المؤشرات المالية.
التعليق:
إن استهداف الحكومة المصرية إصدار سندات دولية جديدة بقيمة تقارب ملياري دولار حتى نهاية السنة المالية الحالية ليس خبراً عابراً في سياق إدارة مالية تقليدية، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الارتهان المالي للنظام الرأسمالي العالمي، وسؤالٌ كبير يجب أن يُطرح: هل المشكلة في نقص السيولة فحسب؟ أم في طبيعة النظام الاقتصادي الذي يُدار به البلد أصلاً؟
إن إصدار السندات الدولية يعني ببساطة اقتراض أموال من الأسواق العالمية مقابل التزام الدولة بسداد أصل الدين مضافاً إليه نسبة ربا محددة خلال فترة زمنية معينة. هذه السندات تُشترى من مستثمرين ومؤسسات مالية عالمية، وغالباً ما تكون نسبة الربا مرتفعة بسبب تصنيف مصر الائتماني ومخاطر السوق. أي أن الدولة لا تبيع سلعة ولا تنتج ثروة جديدة، وإنما تستدين مالاً لتسد به عجزاً قائماً، على أن تسدده بأكثر منه لاحقاً. وهذا هو جوهر النظام الربوي القائم عالمياً.
مصر خلال السنوات الماضية شهدت تضخماً غير مسبوق في حجم الدين الخارجي والداخلي. ومع كل إصدار جديد لسندات أو صكوك أو اقتراض من صندوق النقد أو غيره، تتعمق الأزمة بدل أن تُحل.
الخطاب الرسمي يبرر ذلك بأنه "تنويع لمصادر التمويل" أو "تحسين لإدارة الدين"، لكن الحقيقة أن الدين لا يُدار وإنما يُرحَّل، والربا يتراكم، وخدمة الدين تلتهم نسبة ضخمة من الموازنة العامة، حتى أصبحت أقساط وربا الديون تستحوذ على النصيب الأكبر من الإنفاق، بينما تُضغط أبواب الرعاية الأساسية. فأي إصلاح هذا الذي يقوم على مزيد من الاستدانة؟ وأي تعافٍ اقتصادي يُبنى على ربا يُثقل كاهل الأجيال القادمة؟!
إن الإسلام حين حرّم الربا لم يحرّمه باعتباره مجرد معصية فردية، بل لأنه نظام استغلالي يُفسد توزيع الثروة ويُخضع المجتمعات لأصحاب رؤوس الأموال. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فالربا ليس مجرد أداة تمويل، بل هو إعلان حرب على الله ورسوله. والسندات الدولية هي من الربا الصريح، لأنها قرض جر نفعاً مشروطاً. وإذا كان الربا محرماً على الأفراد، فهو أشد خطراً حين تتورط فيه الدولة، لأن أثره لا يقع على شخص بعينه بل على أمة بأكملها.
إن المشكلة في مصر ليست فقط في سوء الإدارة أو فساد بعض المسؤولين، بل في تبني النظام الرأسمالي ذاته، فهو نظام يجعل المال سلعة يُتاجر بها، ويجعل الربا أداة طبيعية في الاقتصاد، ويجعل الدولة خادمة للأسواق العالمية لا راعية لشؤون الناس. ويُعالج العجز بالاقتراض بدل إعادة توزيع الثروة وإحياء القطاعات الإنتاجية والصناعات الثقيلة والمغذية وفق رؤية شرعية.
إن الرأسمالية بطبيعتها تنتج الفوارق الطبقية، وتُحوّل الدولة إلى وسيط بين الشعب والمؤسسات المالية العالمية. وكلما زادت التبعية المالية، زادت التبعية السياسية. فالدائن لا يقرض مجاناً، بل يفرض شروطاً مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر تصنيفات ائتمانية، أو اشتراطات صندوق النقد، أو "توصيات إصلاحية" تمس الدعم والضرائب وخصخصة الأصول.
لماذا لا تنجح "الإصلاحات" داخل النظام؟ لأنها تُحاول معالجة النتائج لا الأسباب. فتخفيض الدعم، وتحرير سعر الصرف، وزيادة الضرائب، وخصخصة الشركات، كلها أدوات داخل الإطار الرأسمالي نفسه، والنتيجة واحدة: تحميل الشعب كلفة الأزمة. أما السؤال الحقيقي فهو: لماذا أصلاً يُدار اقتصاد بلد مسلم على أساس ربوي، يخالف عقيدته؟
إن الحل ليس في تحسين شروط الاقتراض، ولا في تقليل نسبة الربا نقطة أو نقطتين، ولا في إطالة آجال السداد، بل في اقتلاع النظام الذي أنتج هذه الأزمة. الحل في إلغاء النظام الربوي بالكامل؛ فلا سندات ربوية، ولا اقتراض ربوي، ولا ربط للاقتصاد بالمؤسسات المالية الاستعمارية. وإعادة تعريف وظيفة الدولة: فالدولة في الإسلام راعية لشؤون الناس، لا جابية ضرائب لخدمة الدين.
مع إدارة الثروات ملكيةً عامة للأمة؛ النفط، الغاز، المعادن، قناة السويس، المرافق الكبرى… هذه موارد عامة لا يجوز تمليكها لشركات أجنبية ولا خصخصتها. ومن ثم إحياء النظام الاقتصادي الإسلامي الحقيقي الذي يمنع الربا، ويعتمد الذهب والفضة، وتوزيع الثروة بعدل، وتمكين القطاعات الإنتاجية والصناعات الثقيلة والمغذية بعيدا عن المضاربات المالية. وأخيرا إنهاء التبعية للغرب بكل أشكالها وصورها وأدواتها، فلا يُبنى اقتصاد مستقل تحت مظلة شروط صندوق النقد والبنك الدوليين أو أي من مؤسسات الغرب الاستعمارية.
هذا ليس حلماً بعيد المنال، بل نظام حكم واقتصاد عاش قروناً وحقق استقراراً نقدياً وعدالة في التوزيع، ولم يعرف الأزمات الدورية التي تضرب النظام الرأسمالي كل عقد أو عقدين.
لماذا يُخيفهم هذا الطرح؟ لأن إنهاء الرأسمالية يعني إنهاء هيمنة القوى الكبرى على القرار السياسي في بلاد المسلمين، ويعني أن الأمة ستملك قرارها ومواردها، ويعني أن الجندية المصرية ستصبح درعاً للأمة لا حارساً لحدود رسمها الغرب.
يا أهل الكنانة: إن أزمتكم ليست قدراً محتوماً، ولا فقراً طبيعياً في أرض غنية بالموارد والبشر، بل هي نتيجة نظام اقتصادي جائر يُدار بعقلية التبعية والاقتراض. فلا تنخدعوا بشعارات "الإصلاح" التي لا تتجاوز ترقيع النظام نفسه. فالكرامة لا تُستجدى بقروض، والسيادة لا تُشترى بسندات، والاستقرار لا يُبنى على الربا. والتغيير الحقيقي يبدأ بإدراك أن المشكلة في الأساس الفكري الذي تُبنى عليه الدولة، لا في تفاصيل الإجراءات.
يا أجناد الكنانة: يا أحفاد من حملوا راية الإسلام شرقاً وغرباً، أنتم قوة هذه الأمة وسياجها؛ لا تكونوا أداة لحماية نظام يربط البلاد بالديون الربوية ويُخضع قرارها للغرب. إن دوركم أعظم من حماية حدود رسمها الاستعمار، وأشرف من حراسة نظام اقتصادي أرهق الناس وأثقلهم بالضرائب ورفع الأسعار. فكونوا مع أمتكم، مع عقيدتها، مع تحكيم شريعتها، مع نظام يحررها من التبعية والربا والارتهان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر



