- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
اتفاقيات الطاقة المتجددة بين الواقع الاقتصادي والحكم الشرعي
الخبر:
قالت وكالة رويترز على موقعها الأحد 11/1/2026م، إن مصر وقّعت اتفاقيات في قطاع الطاقة المتجددة باستثمارات تبلغ 1.8 مليار دولار، تشمل مشروعين رئيسيين مع شركة سكاتك النرويجية وشركة صن جرو الصينية. المشروع الأول يتضمن إنشاء محطة طاقة شمسية في محافظة المنيا بقدرة 1.7 جيجاوات مدعومة بأنظمة تخزين بطاريات بسعة 4 جيجاوات/ساعة. أما المشروع الثاني فيشمل إنشاء مصنع لتصنيع بطاريات تخزين الطاقة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لتوريد جزء من إنتاجه لمشروع المنيا. وتأتي هذه الاتفاقيات ضمن سعي مصر لرفع حصة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الكهرباء بحلول 2030، وسط تحذيرات رسمية من صعوبة تحقيق الهدف دون دعم دولي.
التعليق:
أعلن النظام المصري خلال الأيام الماضية عن توقيع اتفاقيات في قطاع الطاقة المتجددة بقيمة تقارب 1.8 مليار دولار، تشمل إنشاء محطات طاقة شمسية ضخمة، ومنظومات تخزين بالبطاريات، ومصانع مرتبطة بها، وذلك بشراكات أجنبية متعددة. وقد جرى تسويق هذه الاتفاقيات باعتبارها إنجازاً اقتصادياً وخطوة نحو "التحول للطاقة النظيفة" وتعزيز أمن الطاقة. غير أن النظر العميق يفرض التساؤل: هل تعبّر هذه السياسات عن رعاية حقيقية لشؤون الناس؟ وهل تحفظ حقوقهم؟ أم أنها استمرار لنهج ربط مقدّرات البلاد بإرادة الخارج؟
الطاقة في الإسلام ليست مجرد سلعة بل ملكية عامة: ينطلق الحكم الشرعي في قضايا الطاقة من القاعدة التي قررها رسول الله ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ». والنار في هذا الحديث تشمل كل ما كان في معناها من مصادر الطاقة التي تقوم عليها حياة الناس ومعاشهم. وبناءً عليه، فإن الطاقة، كهرباء ووقوداً ومصادرها، هي من الملكية العامة التي لا يجوز شرعاً تمليكها للأفراد ولا للشركات، ولا تمكين الأجانب من التحكم فيها، ولا منحهم حق امتياز إنتاجها ولا مشاركتهم فيها.
وعليه، فإن إدخال الشركات الأجنبية كشريك مالك أو متحكم في إنتاج الطاقة وتخزينها وتسعيرها، يُعد مخالفة صريحة للحكم الشرعي، لأنه يخرج هذا المرفق من كونه حقاً عاماً للأمة إلى كونه مجالاً للربح والسيطرة السياسية، ويمكّن أعداء الأمة من نهبه كغيره من الثروات المنهوبة.
تُظهِر تفاصيل هذه الاتفاقيات اعتماداً واضحاً على شركات أجنبية في التمويل والتكنولوجيا والإدارة، وهو ما يعكس استمرار السياسة الاقتصادية القائمة على الارتهان للخارج. وهذه السياسة ليست جديدة، بل هي امتداد لنهج جعل مصر سوقاً مفتوحة لرؤوس الأموال الدولية، وفوق ذلك دون امتلاك القرار الحقيقي أو السيادة على الموارد، بل بتفريط كامل فيها وفي منابعها.
إن هذا النهج يُكرّس التبعية، ويجعل الدولة عاجزة عن اتخاذ قراراتها بمعزل عن شروط المستثمرين والمؤسسات الغربية الاستعمارية والدول الداعمة لهم. فالدولة التي لا تملك طاقتها، لا تملك قرارها السياسي، ولا تستطيع حماية شعبها من أزمات الأسعار أو الانقطاع أو الابتزاز الدولي.
الدولة في الإسلام ليست شركة تبحث عن الأرباح، ولا وسيطاً بين المستثمرين والشعب، بل هي راعٍ مسؤول، والرعاية هي القيام على شؤون الناس قياماً مباشراً، بتوفير حاجاتهم الأساسية من أمن وغذاء وصحة وطاقة، دون تحميلهم أعباء الديون أو رفع الأسعار أو بيع ملكياتهم العامة. فالسؤال الجوهري الذي يتجاهله الخطاب الرسمي هو: هل ستؤدي هذه المشاريع إلى تخفيض حقيقي في أسعار الكهرباء على الناس؟ هل ستمنع انقطاع التيار؟ هل ستخفف الأعباء عن الفقراء؟
الواقع يشهد أن مثل هذه الاتفاقيات، في ظل النظام الرأسمالي، غالباً ما تنتهي بتحميل كلفتها على الناس عبر رفع الأسعار أو تقليص الدعم، بينما تذهب الأرباح للشركات.
حتى وإن قُدِّمت هذه المشاريع بصيغة "استثمار"، فإن كثيراً من تفاصيلها يرتبط بالتمويل الخارجي، والضمانات الحكومية، وربما القروض المباشرة أو غير المباشرة. وهذا يعني زيادة التزامات الدولة المالية، وبالتالي زيادة الضغط على الموازنة العامة، وهو ما ينعكس لاحقاً على الخدمات الأساسية.
والإسلام حرّم الربا تحريماً قاطعاً، وجعل القروض الربوية من أسباب خراب المجتمعات وذهاب البركة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾. فلا يجوز شرعاً بناء قطاع حيوي كقطاع الطاقة على تمويل ربوي أو مشروط سياسياً.
أين دور الدولة الحقيقي؟ إن امتلاك مصر للخبرات والموارد الطبيعية، من شمس ورياح وعقول بشرية، يجعلها قادرة (لو وُجدت دولة راعية بحق) على إنشاء مشاريع الطاقة وغيرها من المشاريع العملاقة والعظيمة التي تمكن من رعاية شؤون الناس بحق بإدارة وتمويل من الدولة، دون الحاجة لتمليك الأجانب أو إشراكهم في القرار. فالدولة الإسلامية تعتمد في تمويلها على موارد شرعية ثابتة لا على القروض ولا على إملاءات المؤسسات الدولية.
ودور الدولة هنا هو إنشاء محطات الطاقة وامتلاكها بالكامل، وتوزيع الكهرباء للناس مجاناً، مع ضمان استمرارية الخدمة دون ربطها بالربح، وحماية الأمة من تحكم الخارج في شريان حياتها.
لا يمكن فصل هذه المشاريع عن السياق السياسي الدولي، حيث تُستخدم الطاقة والاستثمار كأدوات نفوذ. فالشركات الأجنبية لا تأتي منفصلة عن دولها، بل تمثل مصالحها الاستراتيجية. ومن هنا، فإن تمكينها من مفاصل الطاقة يفتح الباب أمام الضغط السياسي، خاصة في أوقات الأزمات.
والأمة يجب أن تنظر إلى هذه السياسات باعتبارها جزءاً من الرأسمالية الاستعمارية التي تُبقي بلاد المسلمين في حالة تبعية، وتمنع قيام اقتصاد مستقل قائم على أساس الإسلام.
إن قضية الطاقة ليست قضية تقنية فحسب، بل هي قضية سيادة ورعاية وحكم. وما لم تُبنَ سياسات الطاقة على أساس الإسلام، باعتبارها ملكية عامة ورعاية واجبة، فإن كل الاتفاقيات مهما ضُخِّمت أرقامها ستبقى عاجزة عن تحقيق العدل أو حفظ الحقوق.
والواجب على الأمة أن تدرك أن خلاصها من أزمات الطاقة والاقتصاد لن يكون باتفاقيات جديدة مع الخارج، بل بإقامة حكم الإسلام الذي يجعل الدولة راعية لا جابية، وحامية لا وسيطاً، وسيدة على مواردها لا تابعة لغيرها. وحينها فقط تُدار الطاقة وغيرها من شؤون الحياة بما يحقق العدل، ويصون الحقوق، ويرضي الله عز وجل.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر



