- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أموال تُضخّ… وسيادة تُستنزف!
قراءة في صفقة الساحل الشمالي في ظل وصاية صندوق النقد
الخبر:
أوردت وكالة رويترز الثلاثاء 2025/12/30م، خبر تسلّم مصر مبلغ 3.5 مليارات دولار كدفعة نقدية أولى ضمن صفقة استثمارية كبرى مدعومة من قطر لتطوير منطقة في الساحل الشمالي على البحر المتوسط. وقد قُدِّم الخبر في سياق إيجابي بوصفه دعماً للاحتياطي الأجنبي وجذباً للاستثمار.
التعليق:
في ضوء هذا الخبر وما يكشفه من خضوعٍ متواصل لإملاءات صندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة للقروض، يتضح أن الأزمة التي تعيشها مصر اليوم ليست أزمة أرقامٍ أو سيولةٍ أو سوء إدارةٍ فحسب، بل هي أزمةُ منهجٍ وسيادةٍ ومرجعية. إن ربط القرار الاقتصادي بالإرادة الأجنبية، وقبول الشروط الربوية التي تمسّ أقوات الناس وأمنهم، ليس إلا مظهراً من مظاهر غياب الرعاية الحقيقية لشؤون الأمة، وتحويل الدولة من راعٍ لمصالح الناس إلى وكيلٍ ينفّذ ما يُملى عليه من الخارج.
ويزداد هذا المشهد وضوحاً وألماً إذا وُضع في سياقه التاريخي الأعمق، ونحن نعيش الذكرى الخامسة بعد المائة لهدم الخلافة، ذلك الحدث الذي لم يكن مجرد إسقاط كيانٍ سياسي، بل كان لحظةً فاصلة أُخرجت فيها الأمة من سلطان أحكام ربها إلى سلطان القوانين الوضعية، ومن الاستقلال السياسي والاقتصادي إلى التبعية والارتهان. فمنذ ذلك اليوم، فُتحت أبواب الديون، وزُرعت المؤسسات الربوية في قلب بلاد المسلمين، وصارت الثروات تُدار وفق مصالح القوى الكبرى، لا وفق أحكام الشرع ومصالح الرعية.
إن ما يجري اليوم في مصر من تعميقٍ للاعتماد على القروض، وربط السياسات الداخلية برضا صندوق النقد، هو امتداد مباشر لذلك المسار الذي بدأ بعد هدم الخلافة، حيث جُرّدت الأمة من نظامها الاقتصادي الإسلامي القائم على تحريم الربا، وحفظ المال، وضمان الكفاية، وربط السياسة الاقتصادية بالعقيدة لا بإملاءات المانحين. ولذلك فإن أي حديث عن حلولٍ داخل هذا الإطار لن يكون إلا دوراناً في الحلقة نفسها، مهما تغيّرت الوجوه أو العناوين.
إن القراءة المتأنية، وربط هذا الحدث بسياقه الاقتصادي والسياسي الأشمل، تكشف حقيقةً مغايرة: نحن أمام حلقة جديدة في سلسلة إخضاع مصر وارتهانها لوصاية المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.
من الناحية الشكلية، لا يُعدّ دخول أموال أجنبية إلى بلدٍ ما أمراً مستنكراً في ذاته، لكن الإشكال الجوهري يكمن في طبيعة هذه الأموال وشروطها، والبيئة السياسية التي تُضخّ فيها. فالصفقة، كما بيّنت تفاصيلها، ليست مشروعاً إنتاجياً يعيد بناء القاعدة الصناعية أو الزراعية، ولا استثماراً استراتيجياً ينهض بحاجات الأمة الأساسية، بل هي مشروع عقاري سياحي فاخر موجّه لفئة محدودة، ويقوم على التصرف في أرضٍ عامة هي من ملكية الأمة.
وهنا تبرز الزاوية الشرعية، فالأرض، ملك عام أو ملك دولة تُدار لمصلحة الأمة، ولا يجوز تحويلها إلى أداة لسد فجوات مالية نشأت أصلاً بسبب سياسات ربوية خاطئة. وقد قرّر الشرع أن تصرّف الحاكم في المال العام مقيّد بالمصلحة الشرعية، لا بالحاجة الآنية ولا بإملاءات الدائنين.
وعند ربط الصفقة ببرنامج صندوق النقد الدولي، تتضح الصورة أكثر. فمصر تخضع منذ سنوات لبرنامج التسهيل الممدد مع الصندوق، وهو برنامج مشروط بإجراءات محددة: تحرير سعر الصرف، تقليص دور الدولة، توسيع الخصخصة، وتعظيم تدفقات العملة الأجنبية بأي وسيلة. وفي هذا السياق، لا تُقرأ صفقة الساحل الشمالي بوصفها قراراً سيادياً مستقلاً، بل كاستجابة مباشرة لمطلب الصندوق بجذب استثمارات أجنبية سريعة تُحسّن مؤشرات السيولة، وتُسهّل تمرير المراجعات الدورية، ومن ثم الإفراج عن شرائح قروض جديدة.
إن ما يُسمّى "استثماراً" هنا ليس سوى بديل عن الاقتراض المباشر، لكنه يؤدي الوظيفة نفسها: توفير دولارات عاجلة لسداد التزامات قائمة، وخدمة دين متضخم، دون معالجة الأسباب البنيوية للأزمة. فالاقتصاد الذي يُدار بالربا سيظل محتاجاً لمزيد من الربا أو لما يقوم مقامه. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ والمحق هنا لا يقتصر على المال، بل يشمل البركة والسيادة والاستقرار.
ومن أخطر ما في هذه الصفقات أنها تُسوَّق باعتبارها "نجاحاً" بينما هي في الحقيقة بيعٌ متدرّج لمقدّرات البلاد. فالدولة لا تبني اقتصاداً قائماً على تلبية الحاجات الأساسية للناس، بل تُدير أزمة مزمنة عبر التفريط في الأصول، وتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة لرأس المال الأجنبي، الذي يعمل حيث الربح السريع، ويغادر حين تتغيّر الظروف، تاركاً المجتمع أكثر هشاشة.
إن أصل الداء ليس في نقص التمويل، بل في نظام اقتصادي فاسد مفروض على الأمة منذ هدم الخلافة، يقوم على الربا، ويربط بلاد المسلمين بمراكز المال العالمية، ويجرّدها من قرارها المستقل. لذلك فإن أي حديث عن "حلول" داخل هذا الإطار، سواء كانت قروضاً أو استثمارات مشروطة، لن يخرج عن كونه إدارة للأزمة لا إنهاءً لها.
لقد قدم الإسلام نموذجاً اقتصادياً واضحاً: اقتصاد تُحرَّم فيه الربا تحريماً قاطعاً، وتُدار فيه الثروات وفق أحكام الملكيات، وتُسخَّر فيه موارد البلاد لإشباع حاجات الرعية، لا لإرضاء الدائنين ولا لتحسين تقارير المؤسسات الدولية. وفي ظل هذا النظام، لا تكون الدولة متسوّلة للاستثمار، بل راعية لشؤون الناس، تمتلك من الثروات ما يغنيها عن الارتهان للخارج.
إن الرسالة اليوم موجّهة إلى أهل مصر كافة: إن معاناتكم ليست قدراً محتوماً، ولا نتيجة كسلٍ أو قلة موارد، وإنما هي ثمرة نظامٍ فاسدٍ في أساسه، يقوم على مخالفة الإسلام وأحكامه، وربط البلاد والعباد بمؤسسات لا ترى فيكم إلا أرقاماً في جداول الدين. وهذا لا يُدفع إلا بوعيٍ سياسيٍّ صادق، يدرك أن الكرامة لا تُشترى بالدولار، وأن السيادة لا تُستردّ بالاستدانة ولا ببيع الأرض. بل باستعادة قرار الأمة وسلطانها وتطبيق شرع ربها الذي يرضيه عنها، أي إقامة دولة الإسلام؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
يا جند الكنانة: يا من تملكون القوة والمنعة، إن مسؤوليتكم أمام الله عظيمة وواجبكم هو حماية الأمة ودينها وسيادتها، لا حماية نظام التبعية ولا تأمين مسارات الارتهان، فأنتم درع الأمة وسيفها، ولن تُسألوا يوماً عن حماية حدود رسمها المستعمر، بل عن حماية دين الأمة وأرضها وثرواتها. وإن أعظم نصرة لمصر اليوم أن تنحازوا لمشروع يحرّرها من التبعية، ويعيد لها قرارها، ويقيم فيها حكماً راشداً؛ خلافة على منهاج النبوة، تحفظ البلاد والعباد. والتاريخ لا يرحم، والأمة لا تنسى من وقف معها ومن وقف في وجه تحررها.
لقد أثبتت مئة وخمس سنواتٍ منذ هدم الخلافة أن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق تحت مظلة القروض، ولا بالاندماج في النظام الاقتصادي العالمي الظالم، وإنما بالعودة الصادقة إلى تحكيم شرع الله، واستئناف الحياة الإسلامية كاملةً في دولةٍ ترعى شؤون الناس بالإسلام، وتقطع يد الهيمنة الأجنبية، وتحرر القرار السياسي والاقتصادي من قبضة الكفار ومؤسساتهم. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر



