الخميس، 19 رجب 1447هـ| 2026/01/08م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
انقلاب ترامب النّفطي: "سنحكمُ فنزويلا" وسنحصلُ على المال "من باطن الأرض"

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

انقلاب ترامب النّفطي: "سنحكمُ فنزويلا" وسنحصلُ على المال "من باطن الأرض"

 

(مترجم)

 

الخبر:

 

في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتجع مارالاغو بأنّ القوات الأمريكية ألقت القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وأضاف أنّ الولايات المتحدة "ستدير البلاد" خلال "مرحلة انتقالية"، وزعم أنّ العملية "لن تكلفنا قرشاً واحداً" لأن الولايات المتحدة ستستردُّ أموالها من "الأموال المستخرجة من باطن الأرض" (في إشارة إلى النفط الفنزويلي)، مُلمّحاً إلى أن شركات النفط الأمريكية ستستأنف الإنتاج وتجني الأرباح منه.

 

 

التعليق:

 

عندما يُعلن رئيس أمريكي أن الولايات المتحدة قد ألقت القبض على زعيم دولة أخرى وستُدير شؤونها، فهو لا يصف إجراءً قانونياً عادياً، بل يصفُ تغييراً للنظام، ويحاول حتى تصوير الأمر وكأنه صفقة مالية. هذه هي قسوة القانون مكشوفة! تريد الولايات المتحدة خداع العالم بإعادة صياغة سيادة فنزويلا على أنها دَيْن، ونفطها هو الضّمان. صوّر ترامب مراراً وتكراراً نفط فنزويلا على أنه حقٌ للولايات المتحدة، قائلاً إن فنزويلا "سرقته"، وبالتالي يمكن للولايات المتحدة التدخُّل وإدارة الدولة واسترداد "الدين". هذه هي القصة الاستعمارية الكلاسيكية: السّلطة تأخذ، ثم تُسمّي هذا الاستيلاء "تعويضاً"!

 

لقد خلط خطاب ترامب الدعائي بين الاستثمار والملكية. هذا ما أطلق عليه البريطانيون في القرن التاسع عشر "عبء الرجل الأبيض" بينما كانوا ينهبون الموارد ويُجوّعون ملايين الشعوب المُستعمَرة.

 

بإمكان الشركات الأجنبية بناء الآبار وخطوط الأنابيب والمصافي، لكن ذلك لا يمنحها ملكية دائمة لموارد باطن الأرض، ولا يُخوّل حكومة الشركة الأجنبية ممارسة الحكم. بعد انتهاء الاستعمار الرسمي، ناضلت الدول المستقلة حديثاً، بدعم من الولايات المتحدة، من أجل مبادئ دولية ترفض هذا المنطق. وقد رسّخت الولايات المتحدة نفسها شرعية الأمم المتحدة، ولكن فقط كأداة لدحر الاستعمار الأوروبي عندما كان بإمكانها فتح الباب أمام هيمنتها الاستعمارية الجديدة على موارد العالم من خلال شركاتها، إلا عندما لم يكن ذلك في صالحها! ومن هذه الحالات قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1803 (1962) بشأن "السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية"، الذي يؤكدُّ أن للشعوب والأمم حقوقاً على ثرواتها الطبيعية، وأنّ هذه الموارد يجب أن تخدم التنمية الوطنية والرفاه العام. وقد انضمت الولايات المتحدة هنا إلى المملكة المتحدة كدولتين فقط صوتتا ضدّ هذا القرار! تكمن أهمية هذا المبدأ في أنه صُمم خصيصاً لمنع الادعاء الذي يطرحه ترامب: وهو أن التدخل الأجنبي السابق يمكن تحويله إلى ملكية حالية.

 

يزعم ترامب أن فنزويلا سرقت النفط الأمريكي، لكن التاريخ يروي قصة مختلفة تماماً. ففي عهد الرئيس الفنزويلي كارلوس أندريس بيريز، وهو ديمقراطي اجتماعي من حزب العمل الديمقراطي وليس شيوعياً، أنشأت فنزويلا شركة النفط الحكومية، من خلال التأميم في 1 كانون الثاني/يناير 1976، مؤكدةً بذلك سيطرة الدولة رسمياً على قطاع النفط. والجدير بالذكر أن هذا لم يكن مجرد "استيلاء" بلا سبيل للتعويض: إذ تشير سجلات الحكومة الأمريكية من تلك الفترة إلى أنه بحلول 28 تشرين الأول/أكتوبر 1975، كانت معظم شركات النفط الأمريكية المشمولة بقانون التأميم قد قبلت عرض التعويض الفنزويلي، وأن فنزويلا عوضت الشركات المصادرة بنحو 1.03 مليار دولار أمريكي في عملية تسوية قانونية تفاوضية، وهو ما لا يُعد "سرقة".

 

لاحقاً، دخلت فنزويلا في نزاعات مع شركات أجنبية حول العقود والضرائب والسيطرة، لا سيما في عهد هوغو تشافيز. وانتهت بعض النزاعات بالتحكيم وأحكام المحاكم، وكانت بعض التعويضات كبيرة. إذا تصرفت دولة ما بشكل غير قانوني أو أخلت بعقد، فإنّ الحلّ هو الإجراءات القانونية مع التحكيم والتقاضي من أجل التوصل إلى تسوية تفاوضية، وليس الإدارة الأجنبية بالقوة.

 

إذن، كان ترامب يكذب عندما قال: "لقد بنينا صناعة النفط في فنزويلا... وسرقها النظام الاشتراكي منا". إن إعادة صياغة ترامب لمبدأ مونرو، باعتباره تأكيداً جديداً للإمبريالية في نصف الكرة الغربي، تُصوّر التنمية كسلسلة ملكية: فإذا كان رأس المال الأمريكي قد ربح هناك في وقت ما، فإن سعي فنزويلا اللاحق للسيطرة على مواردها يُوصف زوراً بأنه "سرقة". من الصّعب تجاهل دافع القرصنة الأمريكي هذا. فقد قال ترامب إن الاحتلال "لن يكلفنا قرشاً واحداً" لأن السّداد سيأتي من "الأموال المستخرجة من الأرض"، وأشار إلى شركات النفط الأمريكية التي تنفق مليارات الدولارات وتجني الأرباح مع استئناف الإنتاج. هذا ليس "انتقالاً" إنسانياً إلى "الحرية" كما ادعى ترامب؛ بل هو خطة استخراج لجائزة ضخمة من قِبل قوة احتلال تُوصف بأنها تعويض! وحجم الجائزة هائل، حيث تُقدّر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن فنزويلا تمتلك 303 مليارات برميل من احتياطيات النفط الخام المؤكدة، وهو أحد أكبر الإجماليات على وجه الأرض.

 

يُعيد ترامب بقوة إحياء مبدأ مونرو كقاعدة عمل في نصف الكرة الغربي. وتُروّج استراتيجية الأمن القومي لإدارته صراحةً لـ"مُلحق ترامب" لاستعادة الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، وقد روّج ترامب نفسه لهذا الإحياء باعتباره مبدأً "حياً وفعّالاً". وبالتالي، فإن فنزويلا ليست استثناءً، بل اختبار أولي لرؤية استعمارية أوسع: الرؤية نفسها التي طرحت فكرة "استعادة" قناة بنما، بل وحتى ضمّ كندا وغرينلاند، مُعامِلةً الأمريكتين كمنطقة تُديرها الولايات المتحدة بدلاً من كونها منطقة دول ذات سيادة.

 

تحاول الحكومة الأمريكية تصوير كل هذا على أنه عمل شرطي. وقد اتهمت الولايات المتحدة مادورو بارتكاب جرائم خطيرة ووجهت إليه اتهامات رسمية. ولكن ثمة فرق جوهري بين المُقاضاة والغزو. بمجرد القبض على رئيس دولة بعملية عسكرية وإعلان الحكم الأمريكي، لم يعد الأمر يتعلق بإنفاذ القانون، بل بالعدوان السافر، وهنا يتحوّل الأمريكي إلى لص يتظاهر بأنه روبين هود العصر الحديث، ينهبُ من الأغنياء إلى الفقراء!

 

من سيقف في وجه هذا المُستبد؟ غضبت الولايات المتحدة لأنّ فنزويلا كانت تساعد روسيا وتتاجر مع الصين، لكن لا روسيا ولا الصين استطاعتا الوقوف في وجه أمريكا. العالم ينتظر ويحتاج إلى قوة جديدة تولد من جديد وتنشر العدل.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. عبد الله روبين

 

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع